
عزيزة راشد
في الحسين المصرية والأزقة المتعرجة، ببلاطها الصامد منذ مئات السنين، حيث يصطف الباعة يمتدحون بضائعهم التي صنعت بمهارة محترفين وأصحاب الصنعة الذين لم تغزوهم بضائع الصين المقلدة، وعلى دخان الأرجيلة وشاي الكشري يجلس نجيب محفوظ مستمعا لقصص المارة وحكاياتهم مع المرض والفقر والغنى والسياسة وسائر أمور الدنيا الأخرى، يرصد أنسجة الحكاية ليصنع منها سجادة زاهرة وارفة من القصص الجميلة ينثرها في روائعه.
في مطرح العمانية يلتقي العالم ويحكي غرائبه وعجائبه، ملتقى حضارات وثقافات وأمزجة، كلٌ له هدف ومغزى ومعنى، تتنوع الوجوه من الهند وسريلانكا وأفريقيا وأوروبا، يحدقون في السقف الذي صنعته أيدٍ عمانية ماهرة، بينما يصمت الباعة وفي عيونهم ألوف الحكايات عن مطرح والبحر والزوار وحكاية الظلام الذي يخيم على السوق فجأة ثم ينحسر في لفته غريبة لم ينتبه لها أحد حتى الآن أو يجد لها تفسيراً.
تأخذني قدماي في أزقة الحسين والمدينة القديمة، هنا وضع أمير المماليك سرج حصانه، هناك تجلس زينب خاتون أميرة المماليك معجبة بقصرها الأسطوري ذي الحكايات الغريبة بين غرفه مفرغة الهواء ودرج يصعد للسماء دون وتد ومساند.
تماماً كأزقة سور اللواتيا المشبعة بخيالات القصص التي لا يحكيها أحد، بيوت شهدت فرح البحر وغضبه، حزن فقيد وفرحة محب، كثيرة هي الحكايات الملتصقة بجدران سور اللواتيا والتي لم يمتد إليها قلم حتى الآن.
في شموخها العنفواني تشرق قلعة محمد علي، ينحسر الضوء عن أحد الغرف التي سجن فيها أحد رؤساء مصر، وتسمع صهيل خيول أمراء المماليك وصوت ارتطام سيوفهم في ممر مقتلهم بالقلعة، في قصص سردية تأخذك إلى دهاليز السياسة وعقول الساسة، وفي مطرح انظر بفخر إلى قلعة الجلالي والميراني لالتقط صورة لهما في ظل صمت جدران القلعتين عن الحديث غير المباح عنهما.
تزهو الأوبرا المصرية التي بناها الخديوي إسماعيل والتي كانت هدية الدنيا للدنيا، أخشابها المستوردة من الهند ودقة نقوشها وفخامة طرازها الذي مات تحت وطأة نار أشعلت في ليل باهت أكلت كل شي وغادرت دون أن تراعي مشاعر عازف أو مغنٍ أو أمير كان يسرد فيها حكايات الزمن الجميل.
لتزهو الأوبرا السلطانية في مسقط كأنها حورية خرجت من البحر في قصص ألف ليلة وليلة، عنقاء تطير على قمم السلاطين الذين صنعوا العزة والرفعة عبر الحقب والأزمان، لم يغادر الزمن الجميل مسقط، فكل معمار فيها يسكن أعماقها، فالجمال يعشق الحكمة التي تميز العمانيين عن غيرهم من شعوب الأرض.
مصر الحكايات الكثيرة التي لن تنتهي لأم الدنيا، ومسقط العروس الجميلة في امتداد زمن أجمل تحمل فيه لقب سيدة الدنيا، وبين القاهرة ومسقط وجوه وجدران وزمن جميل وحكايات وليل من الشعر والقصيدة والإبداع.