
علي ناجي الرعوي
تقترب الحرب الدائرة في اليمن من دخول عامها الرابع وقد تغيرت معطيات كثيرة في خارطة الصراع العسكرية والسياسية حيث أصبحت البلاد مقسمة إلى مجموعة من الجيوب يحكمها أمراء حرب وقيادات مليشيات كما طرأت تغييرات جوهرية على معادلات الحلفاء والخصوم وكذا مراكز النفوذ التي أصبحت الحرب بالنسبة لبعضها وسيلة للكسب والإثراء وترسيخ أحقيتها في التسلط من بوابة الانتماء المناطقي أو الحزبي أو السلالي المذهبي أو غير ذلك من الانتماءات التي ارتفعت أسهمها في مناخات الحرب وأجوائها المشحونة بالعواصف والأحزان والدماء.
هذا المشهد المثير للإحباط والقلق يدفع ثمنه اليمنيون البسطاء الذين يكابدون فصول (مأساة الحرب) التي باتت تعرف لدى المنظمات الإنسانية والإغاثية الدولية بأنها أسوأ كارثة منذ الحرب العالمية الثانية.. وأمام هول هذه الكارثة أو المأساة فلم تعد الحياة تعني للكثير من اليمنيين الذين فقدوا الثقة بكل الأطراف والقوى التي تدير المشهد فالذين يتضورون جوعاً أو يموت أطفالهم بالأمراض لم تعد تعنيهم أسباب الصراع وأجندات المتصارعين ومن سينتصر أو يهزم في نهاية هذا الصراع كما لم يعد يهمهم أيضا من سيحكمهم وكيف سيحكم بعد أن أصبحت مثل هذه القضايا ترفية مقارنة بما يحدث لهم.
لقد مثلت التطورات الأخيرة التي شهدتها مدينة عدن تحولا محوريا على صعيد خارطة الصراع في اليمن فبعد أن كان الفرز يقوم بين (شرعية – وانقلاب) فإن ظهور المجلس الانتقالي الجنوبي كقوة فاعلة على الأرض تسعى إلى فصل الجنوب عن الشمال بناء على حدود ما قبل وحدة البلاد العام 1990 قد خلط الكثير من الأوراق، وقلب الطاولة على حكومة الشرعية المعترف بها دولياً والتي ظلت تطرح من أنها أصبحت تسيطر على 85% من المساحة الجغرافية اليمنية وأنها من نجحت في السيطرة كلياً على المحافظات الجنوبية والشرقية بعد أن تمكنت القوة العسكرية الموالية لها من تحرير تلك المحافظات من قبضة حركة أنصار الله والقوات الحليفة لها إذ إن هذه الصورة قد اهتزت بعد الاشتباكات المسلحة التي جرت في عدن الأسبوع الفائت بين القوات التابعة للحكومة وألوية المقاومة الجنوبية التي تدين بالولاء للمجلس الانتقالي الذي يقدم نفسه سلطة موازية في الجنوب لسلطة حكومة الرئيس هادي حيث كشفت تلك الأحداث بشكل أو بآخر أن الجنوب تتجاذبه اليوم العديد من القوى المسلحة وأنه الذي لا تهيمن عليه سلطة واحدة.
وفي سياق ما يثار بشأن الخلاف بين الأطراف التي تتنازع السيطرة على الجنوب لا تبدو الحالة مختلفة كثيراً في الشمال فمنذ مقتل الرئيس السابق علي عبدالله صالح أوائل ديسمبر الفائت تغيرت خارطة التحالفات في صنعاء على نحو متسارع فقطاع واسع من حزب المؤتمر الشعبي العام الذي كان يرأسه صالح تحول من حليف لحركة أنصار الله إلى خصم لدود لها مما أخلّ بالتوازن الذي كان يشكله التحالف القائم بين تلك الحركة، وحزب صالح الذي يمتلك قاعدة شعبية وقبلية كبيرة، وقد برزت مؤشرات ذلك الاختلال في مسار المعارك المحتدمة في الجبهات، والتي بدت فيها الكفة تميل لصالح القوى المسنودة من التحالف العربي أكان ذلك في جبهة الساحل الغربي أو في نطاق جبهتي تعز والبيضاء وهذه المستجدات التي رمت بها صراعات الحلفاء في طريق الحكومة الشرعية وحركة أنصار الله، وما ترتب عليها من تداعيات وإرباكات وتعقيدات لا شك وأنها من فتحت الباب على مصراعيه أمام المزيد من الاستقطابات والانحيازات والتي ستمضى نحو إعادة رسم خارطة التحالفات السياسية والحزبية والقبلية في الشمال كما في الجنوب وبما يمكن الفاعلين الجدد من تسجيل حضورهم في الخارطة الجديدة التي ستستند إليها أية تسوية قادمة.
ومع اتساع جغرافيا الحرب اتجهت الكثير من القوى والمكونات المنخرطة في ديناميات الصراع السياسي والعسكري الداخلية منها والخارجية إلى إعادة تشكيل تحالفاتها وفقا لملامح الخارطة الجديدة التي أخذت منحى خطيراً وصل في أحيان كثيرة إلى الدخول في مواجهات مسلحة على الأرض أما رغبة في تصفية الخصوم أو سعيا إلى إضعاف وتفكيك جبهة هذا الطرف أو ذاك أو ضربهما ببعض، وما حدث في عدن وقبلها في صنعاء من صدامات يمكن تصنيفه ضمن هذا الاندفاع الذي يكاد أن يكون العنوان الأبرز في المشهد اليمني الراهن الذي اختفت فيه مراكز قوى قديمة وظهرت مراكز أخرى جديدة الأمر الذي تصبح معه تراتبية الخطوات المقترحة سابقاً من الأمم المتحدة والقوى الدولية بعيدة أو أبعد من البعيد عن المتغيرات الجديدة في معادلة الصراع بل إن تلك الخطوات التي جرت على أساسها نقاشات السلام في الكويت.
صار من قبيل المسلمات – شئنا أم أبينا أن شكل الصراع وإن اختلفت معه الوجوه فإن مضمونه لم يختلف وهو الانقسام الذي أصبح أكثر حدة بين أجسام سياسية وعسكرية جديدة لا تتمتع بالقدر الكافي من القوة والدهاء والخبرة لتفرض على الجهات الدولية الفاعلة الاعتراف بمثل هذه التغيرات والتقلبات التي تجري في اليمن على أرضية تقليدية قبلية وجهوية ودينية ومعالجة الأزمة وفقا لمعطيات الواقع الجديد والتوفق عن إعادة إنتاج نفس الأفكار والحلول المعلبة التي فشلت في حل الأزمة حتى اليوم ومما لا يختلف عليه اثنان إن الحسابات غير المنطقية للشرعية والتحالف والمجتمع الدولي قد تسببت في إطالة أمد الحرب وإيجاد أزمة اقتصادية وتدهور العملة الوطنية وغلاء الأسعار، وكارثة الجوع والفقر التي تتمدد بين اليمنيين وأكثر من ذلك فإن الإصرار على فرض الحلول المعلبة تحت شعار استعادة الثوب الممزق لليمن المدمر لم يعد يجدي نفعاً مع الواقع السياسي والعسكري والاجتماعي المنفعل واندفاعات القوى الصاعدة التي تزرع ألغاماً لحروب وصراعات قادمة شمالاً وجنوباً وهي التي قد نراها بمثابة الشيطان الذي يمخر أمن واستقرار المنطقة بأكملها.
كما كان متوقعاً أنهى المبعوث الأممي إسماعيل ولد الشيخ مهمته ومشواره الدبلوماسي كوسيط أممي بين الأطراف اليمنية دون إحداث أي اختراق في جدار الأزمة طوال فترته التي قاربت من ثلاثة أعوام وفي حين كان من المرجح أن يخلفه نائبه الفلسطيني معين شريم جاءت التوجهات الأممية عكس ذلك فقد أدركت بريطانيا الممسكة بالملف اليمني في مجلس الأمن بان حجم المتغيرات في سنوات الحرب قد أعادت اليمن الى مربع الصفر ولمواجهة هذا الواقع الجديد بادرت إلى ترشيح البريطاني مارتن غريفت والذي يعد واحداً ممن وضعوا تعريفاً للدبلوماسية متعددة المسارات في حل النزاعات كمبعوث جديد للأمم المتحدة في اليمن.. ليبقى السؤال الآن لدى اليمنيين: ما الذي يمكن أن يحدثه هذا المبعوث؟ ومن أين له أن يبدأ ؟ وهل أصبح هناك دافع حقيقي للمجتمع الدولي لإنهاء الحرب ؟ ومع أنه يصعب الوصول الى إجابات مقنعة على هذه التساؤلات في هذه اللحظة.. يصعب أيضا الرهان على هذا المبعوث وأنه الذي سيخرج اليمن من البئر.
كاتب يمني