
كليمنس فوست
اتفق الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي وتوأمه في بافاريا حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي على السعي لتشكيل حكومة «ائتلاف كبير» أخرى، ونشروا اتفاقاً من 28 صفحة تلخص برنامج سياساتهم المقترح.
يأتي الاتفاق بعد أشهر من انتخابات قدمت خلالها الأحزاب الثلاثة آراء يغلب عليها الاختلاف بشأن السياسات الاقتصادية. فبينما ركز الحزب الاشتراكي الديمقراطي على الحاجة لمزيد من إعادة التوزيع ومزيد من الإنفاق العام، وعد حزباً الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي بتنفيذ «تخفيضات ضريبية للجميع» وتبني سياسة أكثر تقييداً بالنسبة للاجئين. وهنا يبرز التساؤل عن مدى قدرة ائتلاف ينطوي على مثل هذه القوى المتباعدة أيديولوجيا على إعداد ألمانيا لمواجهة التحديات التي تنتظرها.
سيكون على صانعي السياسة الألمان في الشهور والسنوات المقبلة إدارة الانتقال إلى العصر الرقمي حتى تحافظ الدولة على تنافسيتها. كما يتوجب عليهم أيضا ترسيخ مفهوم دولة الرفاهية في وقت ترتفع فيه نســـبة كبار السن بوتيرة متسارعة. كذلك يجب عليهم تطوير سياسة حكيمة للهجرة. وفوق هذا البرنامج المحلي، يعول كثيرون على ألمانيا للحفاظ على وحدة وتماسك الاتحاد الأوروبي.
وكما بيّن كثير من المعلقين، ستستفيد حكومة ألمانيا الجديدة من فائض ميزانية موجود بالفعل، حيث ساهم ازدهار الاقتصاد، إضافة إلى خواص قانون الضرائب الألماني، في تعزيز الإيرادات الحكومية في السنوات الأربع الفائتة. ووفقا للاتفاق الائتلافي، سيخصص 36 بليون يورو من الفائض لمصارف متنوعة مثل تحويلات الأسر، وزيادة الإعانات الزراعية والإقليمية، وتقديم حوافز لتشييد المساكن، ومد وصيانة طرق وما يتعلق بها من أعمال البنية الأساسية، وتشييد وصيانة مبان جامعية ومدرسية.
لكن عندما يفكر المرء في ما يحدث من «الانتقال لشريحة ضريبية أعلى لارتفاع الدخل بسبب التضخم»، يجد أن النظرة المستقبلية لدافعي الضرائب تسوء. فعلى عكس الحال في أغلب الدول المتقدمة، يفتقر النظام الضريبي في ألمانيا إلى آلية للتعديل التلقائي لمنع التضخم من دفع الأسر إلى شرائح ضريبيــة أعلى. ورغم وجود تعديلات تدخلية تقديرية، نجد أنها قلما تقدم تعـويضـــا كاملا لعدد لا يحصــى من الأسر التي ينتهي بها الحال إلى دفع ضــرائب أكثر مــن المســتحق علــيها.
بالنسبة لآخرين، لا تكمن المشكلة في السياسة بل في البرنامج ذاته: فكل بنوده لا تحقق إلا القليل جدا. وعند توزيعها على أربع سنوات، نجد أن المبالغ الإضافية التي سيتم إنفاقها، وهي بليوني يورو على الدفاع، و600 مليون يورو على الجامعات، وأربعة مليارات يورور على الإسكان، لن تحدث فارقاً كبيراً.
وبينما تعد خطة الائتلاف أيضا بزيادة مساهمات ألمانيا في ميزانية الاتحاد الأوروبي، وبمزيد من الإنفاق على معاشات الأمهات والأسر المنخفضة الدخل، لكنها لا تحدد كيفية مواءمة هذه الزيادات مع ميزانية متوازنة يخطط الائتلاف لها.
الأهم من ذلك افتقاد البرنامج للطموح والاتجاه. فهو لا يقدم عونا ملموسا للطبقة المتوسطة من خلال خفض الضرائب، ولا يخصص استثمارا كافيا للبحث، أو البنية الأساسية، أو التعليم. كما أنه لا يشير من قريب أو بعيد للضرائب على الشركات، حتى في ظل خفض معدلات الضرائب في الولايات المتحدة، والتخفيضات المقررة في فرنسا وبريطانيا، والتي ستجذب حتماً الاستثمارات والوظائف من ألمانيا.
على سبيل المثال، تنفق ألمانيا بلايين اليوروات كل عام على برامج دعم الطاقة الخضراء. لكن، وفقا لاعتراف الاتفاق الائتلافي المبدئي، يرجح أن تخفق ألمانيا في الوصول لمعدلها المستهدف لخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2020، مما يشير إلى أن برامج الدعم هذه لم تؤت ثمارها. وكان من شأن تنفيذ إصلاحات أساسية في هذا المجال أن تجعل سياسات المناخ الألمانية أرخص تكلفة وأكثر فعالية في نفس الوقت. غير أن ذلك كان ليتطلب من الحكومة التخلي عن موقفها الأيديولوجي وتحدي مجموعات المصالح ذات النفوذ.
بالرغم من ذلك، ينطوي الاتفاق الائتلافي على بعض الأفكار الواعدة، ومنها مثلا اقتراح برنامج لجذب العمال المهرة، والتوفيق بين سياسات الهجرة الألمانية ومصالح الدولة الاقتصادية. ومع أنه كان ينبغي للحكومة الجديدة إضافة شروط للجزئية الخاصة بمساهمة ألمــــانيا الأكبر في ميزانيـــة الاتحاد الأوروبي، بهدف منـع إهـــدار النفقات، فلابـد أن نرحب بالتزامهـا الصــريح بالاتحــــاد الأوروبي.
لا يزال هناك وقت أمام شركاء التحالف كي ينقحوا برنامجهم. وبالتأكيد عليهم أن يسعوا لفعل ما هو أكثر من استغلال الازدهار الاقتصادي الحالي لتوزيع نشرات مجانية تافهة على الدوائر الانتخابية المختلفة . لقد آن الأوان لأن نشرع في إعداد ألمانيا لمواجهة ما ينتظرها من تحديات مستقبلية.
رئيس معهد أيفو وأستاذ الاقتصاد في جامعة ميونيخ.