خط ساخن للوقاية من الانتحار

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٠٥/فبراير/٢٠١٨ ٠٣:٠٨ ص
خط ساخن للوقاية من الانتحار

تريسكا حميد

لطالما عانت قضية الصحة النفسية في العالم العربي من الإهمال بشكل عام، إلا أن عددا من المبادرات ركّزت مؤخرا على معالجة هذا الجانب بدلا من تجاهل المسألة وإنكارها.

ولطالما اعتُبرت الصحة النفسية، وبالأخص الانتحار، من أكثر المواضيع المثيرة للجدل التي يُحظر الخوض فيها في منطقة الشرق الأوسط. كما أن الافتقار إلى الفهم، المصحوب بقلة الموارد المتخصصة في الصحة النفسية، يؤدي إلى تفاقم هذا الوباء.

لقد كانت المنطقة في السابق رائدة التطور في مجال الطب النفسي، بل وشهدت إنشاء أول مستشفى للطب النفسي في العالم في بغداد في العام 705 الميلادي، كما أنشئ مستشفى آخر في القاهرة في العام 800 الميلادي وآخر في دمشق في العام 1270 الميلادي، وذلك بحسب ما ورد في مجلة الطب النفسي العامة «ذا أنالس أو جنرال سايكايتري». ومثلما حدث مع جوانب التقدم الاجتماعي الأخرى في الشرق الأوسط، حلّ الجمود والتأخر محل الابتكار.
وفي خضم ذلك كله، جاءت جمعية إمبريس، وهي جمعية خيرية للصحة النفسية يقع مقرها في لبنان، لتستأنف التطور في مجال الصحة النفسية بإطلاق أول خط مساعدة هاتفي للوقاية من الانتحار.
وفي تعليقها على ذلك، تقول الشريكة المؤسِسة لجمعية إمبريس، ميا عطوي: «يعدّ هذا الخط الساخن هو الأول من نوعه في المنطقة لمواجهة محاولات الانتحار التي يُقدم عليها من يعانون من أفكار انتحارية. ويستهدف هذا الخط أيضا الأفراد الذين يعانون من الاضطراب النفسي، أو الذين يشعرون بالقلق من أن يحاول أحد الأشخاص ممن حولهم الانتحار أو أن تكون لديه مشاكل نفسية».
استعانت الجمعية بخبراء دوليين لتدريب 30 متطوعا يتعاملون مع خمس حالات يوميا في الوقت الحالي -أشخاص يتصلون بالجمعية لمعاناتهم من مختلف حالات اليأس. ويمكن إحالة الأشخاص ممن لديهم أفكار انتحارية إلى شبكة إمبريس، التي تشمل مستشفيات وغرف طوارئ تقدّم الدعم والمساعدة النفسية.
وتوضح ميا عطوي ذلك قائلة: «لا يتدخل القائمون على الخط الساخن إلا في حالة وجود أزمة وشيكة، حيث يزودنا المتصل بالمعلومات اللازمة، والتي تُرسل إلى جمعية الصليب الأحمر الذين يزورون الموقع لمنع محاولة الانتحار».
وتتراوح مدة معظم المكالمات بين نصف الساعة إلى الساعة تقريبا، ويبذل خلالها المتطوعون المساعدة من خلال منح الأمل لتقليل خطر احتمال الانتحار. تتوقع جمعية إمبريس استقبال حوالي 2.000 مكالمة سنويا.
وفي هذا الصدد، تقول ميا عطوي: «لبنان بلد صغير، وعندما تحدث حالة انتحار فهي تؤثر على الكثير من الناس. ولهذا الأمر أثر أكبر بكثير من البلدان الأخرى، إذ إنه يؤثر على الأسرة والأصدقاء والقرية والمجتمع والثقافة».
عندما يُقدم شخص من القرية على الانتحار، فإن ذلك قد يحفّز الآخرين في محيطه على تقليده، وهذا ما لاحظه فريق العاملين في جمعية إمبريس. وتوضح ميا عطوي ذلك قائلة: «نعتقد أن %90 من حالات الانتحار تحدث نتيجة لأمراض نفسية قابلة للعلاج، حيث يعاني واحد من بين كل أربعة أشخاص من مشكلة نفسية في مرحلة ما من حياته».
ومن جانبه، صرّح راغد شرارة، وهو طبيب نفسي مقيم في المركز الطبي للجامعة الأمريكية في بيروت وزميل معهد القياسات الصحية والتقييم، قائلا: «منذ العام 1990، ارتفعت معدلات العبء النفسي للنساء بشكل مستمر عن الرجال في المنطقة، وذلك على غرار الاتجاه العالمي. ونعتقد أن مشاركة المرأة في القوى العاملة ساهم في ذلك».
ولا يعني ذلك أن النساء اللاتي تعملن أكثر احتمالا للمعاناة من الاضطرابات النفسية، لكن العبء الوظيفي، بأجر أقل من الرجال، بالإضافة إلى الأعباء المنزلية التي تقع على عاتقهن في نفس الوقت، تسبب مزيدا من الضغط النفسي على النساء.
ساهمت الوصمة المرتبطة بالأمراض النفسية في المنطقة إلى نقص التمويل وعدم رغبة الكثير من الأطباء بالعمل في مجال الطب النفسي.
ويوجد في لبنان أخصائي طب نفسي واحد لكل 45.000 شخص، وتعدّ هذه النسبة الأعلى في المنطقة وفقا لمنظمة الصحة العالمية، بينما تسجل اليمن أقل نسبة بمعدل أخصائي واحد فقط لكل 200.000 شخص. وبحسب شرارة، فإن معدل الإنفاق على الصحة النفسية في المنطقة يبلغ 0.15 دولار أمريكي لكل شخص، بينما تنفق الولايات المتحدة الأمريكية 3 إلى 4 دولارات أمريكية على الشخص الواحد.
يشكّل نقص الإنفاق والأطباء النفسيين مشكلة تتسبب في عدم اكتشاف حالات الاضطرابات النفسية أو الخطأ في التشخيص.
وهذا ما أدركه رجا صبرا، الناشط في مجال الصحة النفسية، من خلال تجربته الشخصية، حيث يقول في هذا السياق: «يعتقد الكثير أن الأمراض الجسدية هي التي يمكن معالجتها عن طريق الأدوية والجراحة، لكننا نميل إلى تجاهل كل ما يتعلق بالعقل والمشاعر، لكونها غير ملموسة».
كان صبرا قد تم تشخيصه على نحو خاطئ بأنه يعاني من اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه وصُرف له دواء ريتالين.
وعن ذلك، يقول: «أصبح تفكيري مشوشا، حيث أتكلم بسرعة ولا أستطيع تنظيم أفكاري، وازدادت حالتي سوءا بعد بضعة أيام من بدء العلاج كما ازدادت الهواجس في ذهني».
اتضح لاحقا أن صبرا كان يعاني في الواقع من الوسواس القهري، وقد وُصفت له أدوية مضادة للاكتئاب. وبدأ العلاج يعطي مفعوله، لكنه احتاج أيضا إلى العلاج النفسي للتغلب على القلق.
من جانبها، علّقت مي السيد، مؤسسة عيادة بيتر سويت للعلاج بالتنويم المغنطيسي ومقرها في الإمارات العربية المتحدة، على ذلك قائلةً: «بالنظر إلى أن العلاج النفسي والاستشارات النفسية غير مشمولة في التأمين الصحي في كثير من البلدان في منطقة الشرق الأوسط، فإن هذا يجعلها أمرا اختياريا، وليس ضروريا. ويشير ذلك بشكل غير مباشر إلى أن مجتمعات معيّنة هي التي يمكنها السعي للحصول على العلاج النفسي، وهم أولئك الذين يستطيعون تحمّل التكاليف».
ربما تكون التكاليف المادية هي العائق الرئيسي أمام العلاج الفعّال، فالاستشارات الطبية باهظة التكاليف وغير مشمولة في التأمين. وعن ذلك، يقول شرارة: «هناك مشكلة بالتأكيد، حيث تعاني جميع البلدان تقريبا في الشرق الأوسط من عبء الاضطرابات النفسية بدرجة أعلى من بقية العالم. وينبغي زيادة الإنفاق على الصحة النفسية لتوفير فرص العمل والقوى العاملة في هذا المجال. ولا شك أن تيسير الوصول إلى الرعاية الصحية الجيّدة يخدم المجتمع».
رغم ذلك، فإن تحسن الانطباعات إزاء الصحة النفسية والعقلية يسير بشكل بطيء في جميع أنحاء المنطقة. وتقول مي السيد: «خلال العامين الفائتين، اتُّخذت بعض الإجراءات لتحسين أوضاع الصحة النفسية والتقليل من وصمة العار التي تلحقها».
وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أداة قوية في تقديم الدعم لمن يحتاجه والمساعدة في رفع مستوى الوعي بشأن قضايا الصحة النفسية وتشجيع الناس على النظر إليها كمشكلة صحية وليس كوصمة عار أو أمر مخزٍ.
وباختصار، فإن الأوضاع آخذة في التحسّن.