وظائف عُمان للعُمانيين

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠١/فبراير/٢٠١٨ ٠٣:٥٣ ص
وظائف عُمان للعُمانيين

علي بن راشد المطاعني

البعض يثير إشكاليات واعتراضات حول حظر مؤقت لبعض المهن والوظائف في القطاع الخاص التي يمكن أن يشغلها أبناؤنا الخريجون والخريجات في الجامعات والكليات من داخل السلطنة وخارجها، وفيهم من الكفاءة والقدرة العالية التي تستوجب من الجميع تعزيزها وإعطاءها فرصة لخدمة وطنها وإتاحة المجال لهم بقلوب مفتوحة ومنشرحة على اعتبار أن من حقهم أن يأخذوا دورهم في خدمة وطنهم، فالوطن وطنهم ووظائف عمان للعمانيين طال الأمد أو قصر، الأمر الذي يبعث على الارتياح لهذه الخطوات التي تؤكد أن الحكومة ماضية في إيجاد فرص عمل لأبنائها وقادرة على سد المنافذ التي يمكن أن يتسرب منها البعض للتهرب من الإيفاء بالالتزامات الوطنية طوعا، فلابد من تطبيقها كرها، فهذه سنة الحياة.

ولا شك أن الجهود التي تبذلها الحكومة ممثلة في وزارة القوى العاملة لإيجاد وظائف لكوادرنا الوطنية تنطلق من العديد من الواجبات التي تضطلع بها الحكومة في توفير الحياة الكريمة لمواطنيها، والوظيفة هي تلك الوسيلة التي تحقق تلك التطلعات المشروعة لسبل الحياة الكريمة التي التزمت بها الحكومة كأحد أهداف التنمية بالبلاد، فما تبلوره من الآليات يسهم في تحقيق هذا الهدف.

الجانب الآخر الذي يتعين توضحيه هو أن أولوية العمل في البلاد ستبقى دائما لأبناء الوطن، وخاصة في هذه المرحلة التي تتوفر فيها كوادر وطنية مؤهلة ترغب في المشاركة في بناء وطنها، لاسيما وأن وزارة القوى العاملة لم تحظر الوظائف والمهن قبل 48 عاما وخلالها على سبيل المثال، عندما لم تكن هناك كوادر وطنية مؤهلة قادرة على إدارة دفة ميادين العمل في الكثير من المجالات، أما اليوم فالإجراء يعتبر طبيعيا ومنطقيا في ظل تدفق المخرجات من مؤسسات التعليم العالي، وهذا أمر تفعله كل الدول، والسلطنة ليست استثناء من هذه القاعدة.
ومن المؤمل تفهم هذه الإجراءات باعتبارها جاءت في سياق التطور والنمو الاجتماعي الطبيعي للدول والشعوب التي ترغب في بناء وطنها وتحقيق ذاتها.
فلا يمكن أن تكون قضية إحلال الكوادر الوطنية وحظر الوظائف عقبة في طريق التقدم والنمو الاقتصادي، فالبلاد مفتوحة للمستثمرين الجادين في الاستثمار، ولكنها في ذات الوقت تعمل لتمكين أبنائها في كل المرافق باعتبارهم حملة مشاعل الضياء في المستقبل الآتي، ولا يمكن التفريط بحقهم في الوظيفة بدواعي ضيق الاقتصاد الذي يتسع للغير أو غيرها من المبررات .
وما يجب أن نتفهمه أيضا هو أن الضغوط الكبيرة التي تواجهها الحكومة ممثلة في وزارة القوى العاملة من جانب الراغبين في العمل تملي اتخاذ مثل هذه الإجراءات وغيرها، والوزارة ستظل تعمل في البحث عن الوظائف التي من الممكن أن يشغلها شبابنا لإضافتها لقوائم الحظر، وهذه العملية مستمرة بدون توقف في إطار سياسة مدروسة وبعيدة المدى لتمكين أبنائنا من تلابيب العمل في بلادهم، وإلا فالأمور قد تؤثر على الأمن والسلم الاجتماعي إذا استفحلت قوائم الباحثين عن عمل وتراكمت الطلبات عاما بعد آخر بدون تحريك ساكن، وهذا ما لا يرغب به كل ذي لب ويخفق قلبه على مصلحة هذا الوطن ولا يغلب مصالحه الشخصية على مصلحة الوطن العليا. فالتضحيات المطلوبة في الفترة الراهنة كبيرة بالطبع تتجاوز التنظير وردود الأفعال التي تقف ضد كل إجراء يتخذ لتمكين أبناء الوطن، وفي ذات الوقت تطالب بتوظيف أبنائها في مفارقات من الغريب أن تكون بهذه الازدواجية.
إن حظر استقدام قوى عاملة في 87 مهنة ووظيفة في عشرة قطاعات اقتصادية تأتت بعد التيقن من توفر كوادر وطنية في هذه القطاعات، حيث كانت طوابير الباحثين عن عمل أمام مكاتب الوزارة تعبر تماما عن واقع الحال الذي يجب معالجته بحلول سريعة وخطط عاجلة وأخرى بعيدة المدى تأخذ في الاعتبار هيكلة العديد من الجوانب في الدولة التي من شأنها أن تفرخ فرص العمل والتشغيل الذاتي.
في الواقع نقدر كل الجهود المبذولة في هذا الصدد، وندعو الجميع مخلصين لتفهم دواعي الظروف التي تفرض علينا تحمل تبعات هذه المعالجات وتهيئة أبنائنا نفسيا ومعنونا وعمليا لخدمة وطنهم، فالكثير من الخطوات ستتخذ ولا يجب أن تقابل باعتراضات لا تستند إلا إلى العاطفة وحدها.
بالطبع الحاجة للخبرات الأجنبية ستظل موجودة ما دامت قاطرة التنمية ماضية وعجلة الاقتصاد تدور، ولكن أن نستقدم قوى عاملة في أعمار أبنائنا الخريجين والخريجات (والبيانات والسجلات موجودة) في ظل توافر كوادر وطنية مؤهلة علميا بأفضل من غيرها، أعتقد الكل لا يتفق على ذلك، فالأولوية لأصحاب الأرض الذين حان الوقت لتمكينهم وتأهيليهم وتهيئتهم بكل السبل الممكنة لسبر سوق العمل، وفي المقابل سنظل أوفياء لكل من ساهم في بناء هذا الوطن من إخواننا من بقاع الأرض الذين شاركونا عملية البناء لهذا الوطن، ولكن الإجراءات التي تتخذ لا يجب أن تفهم بأنها موجهة لأحد، أكثر من أنها مطلب وطني ملح لتمكين أبناء الوطن لا مجال للمساومة عليه ولا التحايل على آلياته.
نأمل أن تكلل كل هذه الخطوات بالنجاح وأن نعمل على رفدها بخطوات عملية تمكن الشباب العُماني في كل المجالات، وأن لا نضع العقبات أمامهم وننتقص من قدراتهم، بل العكس تماما هو الذي ينبغي أن يسود، من أجل مستقبل زاهر للوطن ولفلذات الأكباد أيضا التي تستحق منا أن نذلل لها كل السبل ونفتح أمامها آفاق المستقبل، فالأوطان لا تبنى إلا بسواعد أبنائها.