محمد محمود عثمان
mohmeedosman@yahoo.com
منتدى دافوس الاقتصادي العالمي من أهم الأحداث الاقتصادية العالمية وهو من المنابر التي تتبنى العولمة، وتستضيفها سويسرا سنوياً، ويجذب المنتدى كبار السياسيين ورجال الأعمال والصناعة في العالم ورؤساء دول وحكومات ووزراء مالية ومحافظو بنوك مركزية ورؤساء مجالس إدارة مؤسسات عالمية كبرى، بالإضافة إلى شركات دولية عابرة للقارات، وممثلي المنظمات غير الحكومية، ويبلغ عدد الأعضاء في المنتدى نحو 1000عضو يمثلون أكبر شركات اقتصادية على مستوى العالم، وهم من القيادات السياسية المؤثرة المؤثرة عالميا في الشأن الاقتصادي العالمي، ويهتم المنتدى بالقضايا الدولية والإقليمية الأساسية، وتم هذا العام اختيار الموضوع الأساسي هو «بناء مستقبل مشترك في عالم متجزئ أو ممزق»، خاصة أنه وفقا لتقرير تابع بمنظمة الإغاثة العالمية فإن الفجوة بين أثرياء العالم وبقية الشعوب ما زالت في اتساع، وهو ما يعكس فشل النظام الاقتصادي العالمي حيث ما زالت الثروات تتمركز في قبضة أقلية صغيرة، وأن 82%من الزيادة في الثروة العالمية، التي تحققت في العام 2017، تدفقت على أكثر سكان العالم ثراء، البالغ عددهم 1%، بينما لم تسجل أي زيادة في ثروة 3.7 بليون شخص، يشكلون نصف الفقراء من السكان في العالم، كما نمت ثروة أصحاب المليارات بمعدل 13%في المتوسط سنوياً، حيث ارتفع في العام الفائت عدد أصحاب المليارات أكثر من أي وقت مضى، مما يعني أن ثروات العالم تصب في جيوب النخبة الاقتصادية، أو الأكثر ثراء الذين تبلغ نسبتهم 1%فقط من سكان الكرة الأرضية، وهي نسبة مخيفة ومؤسفة في ذات الوقت، لأنها تعبر عن الخلل الكبير في توزيع ثروات العالم، وما قد يترتب عليه من انتشار الإرهاب، ووفق التقرير الذي أصدرته منظمة الإغاثة العالمية «اوكسفام» في العام الفائت، فإنه مع بداية الأزمة الاقتصادية العام 2008، ازدادت ثروة هذه «النخبة الاقتصادية» بمعدل 13%سنوياً، من خلال زيادة أرباح المؤسسات ومستثمريها الأغنياء، وسوف يستمر هذا المعدل في التصاعد إذا ظل الاقتصاد لا يعمل لصالح الجميع، وأن تستمر البوصلة لصالح الأقلية الغنية فقط، لأن الاقتصاد العالمي يفيد بشكل متزايد الأغنياء ويبقي البلايين من الأشخاص عالقين في دوامة الفقر، وأن زيادة الأغنياء ليست مؤشرا على ازدهار الاقتصاد؛ إنما على فشل النظام الاقتصادي، حيث أشارت المنظمة في التقرير إلى أن 42 شخصاً حول العالم يمتلكون ثروة تعادل ما يملكه النصف الأكثر فقراً، فأقرت في العام 2017 أن ثروة ثمانية من أغنى أثرياء العالم تتعادل مع ثروة نصف الفقراء في العالم، وأن ثروة 1 %من أغنياء العالم تعادل ثروة بقية العالم، الغريب أن النخبة الاقتصادية من مرتادي منتدى دافوس تعلم بذلك بل أنها فخورة بهذه الإحصائيات من مفهوم سيادة الرأسمالية، والبعد عن مفاهيم العدالة الاجتماعية، الأمر الذي أثر سلبياً على الدول النامية، التي انتشرت فيها البطالة والجرائم، بسبب عدم قدرتها على استقطاب قطاعات عمل جديدة، وبسبب تفشي الفساد وهروب المستثمرين والاستثمارات، وقد احتج على المنتدى مناهضون للرأسمالية خرجوا في مسيرات في عدد من المدن السويسرية احتجاجا على مشاركة رجال الأعمال وأصحاب الشركات متعددة الجنسية ورؤساء الدول الرأسمالية التي دأبت على المشاركة في هذا المنتدى لترويج سياساتهم الاقتصادية، حتى ولو على عكس الشعار المعلن على جدول أعمال المنتدى لهذا العام وهو «بناء مستقبل مشترك في عالم ممزق»، بعد أن شهد المنتدى انقسامات سياسية واقتصادية واجتماعية متنوعة، تحول بين تعزيز التبادل الاقتصادي والتجاري الحر، بين هذه النخبة الرأسمالية والدول النامية، ما يؤكد أن هذا المنتدى الذي حضره هذا العام زعماء أكبر ألف شركة في العالم وسبعون رئيس دولة أو حكومة وتسعمائة ممثل عن منظمات غير حكومية، لم يكن اقتصاديا بل في واقع أمره «أكثر المنتديات الاقتصادية تسييسا»حيث يحاول الجميع الدفاع عن مصالحه الشخصية بدون الأخذ في الاعتبار مدى المعاناة التي يعيشها الملايين من سكان العالم الذين تمتهن كرامتهم من أجل لقمة العيش، ومن المصالح الشخصية محاولة أمريكا اتباع السياسات الحِمائية وهي السياسة الاقتصادية التي تنتهجها واشنطن لتقييد التجارة بين الدول من خلال رفع الرسوم الجمركية على السلع المستوردة وتحديد كمياتها، إضافة إلى مجموعة من الأنظمة المقيدة التي تهدف إلى تثبيط الواردات ومنع الأجانب من التغلغل في الشركات والأسواق الأمريكية، ومحاولة فرض شعار «أمريكا أولا»، مما يزيد المخاوف من استمرار الولايات المتحدة وغيرها من الدول الكبرى في التحكم باقتصادات الدول الأخرى ومحاولتها الإبقاء على المشاكل الاقتصادية قائمة في الكثير من المجتمعات حول العالم خدمة لمصالحها، على الرغم من أجواء التفاؤل والآمال -ربما الواهية- التي تتعلق بها الدول النامية، بالاتفاق على توصيات تدفع باتجاه تحقيق انتعاش في النمو الاقتصادي العالمي لإنقاذ الملايين حول العالم من الفقر والمجاعات والحد من الهجرة غير المشروعة والتلوث البيئي وتغيرات المناخ، حيث يعد المنتدى نقطة التقاء لأهم الشخصيات في العالم في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمالية لمناقشة أهم القضايا الاقتصادية الدولية وطرح الحلول المناسبة لها، لتقليل الفجوة بين الأغنياء والفقراء.