
فيصل القاسم
قبل أن تبدأ بتحليل ظاهرة أو قضية أو شخصية ما، يجب أولاً أن تضعها في سياقها الحقيقي كي يكون التحليل مطابقاً للموضوع، وإلا كان الموضوع في واد والتحليل في واد آخر. نقول هذا الكلام لأننا أخطأنا كثيراً في تحليل ظواهر كثيرة بناء على فرضيات خاطئة من أصلها.
فقد كنا نعتقد لعقود أن هناك استبداداً ومستبدين وديكتاتورية وديكتاتوريين في العالم الثالث، وبناء على هذا الطرح راح البعض يدعو إلى الثورة على الطغاة والمستبدين، ظناً منهم أن الطغيان ظاهرة «عالمثالثية» حصراً، وأن حكومات تلك البلدان النامية قررت الخروج على أقانيم العصر، وراحت تحكم شعوبها بطريقة ديكتاتورية على طريقة الطواغيت.
كم كنا مغفلين وساذجين في طرحنا هذا! لقد اعتقدنا خطأً أن هناك استبداداً في العالم الثالث يجب استبداله بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وأن العائق الوحيد أمام شعوب تلك البلدان هو الدول البوليسية القمعية والوحشية التي بنتها الأنظمة منذ عقود وعقود.
ولطالما أعطينا هذا الحاكم في البلدان النامية أكبر من حجمه بكثير. ولا شك أن الكثير من هؤلاء الحكام الذين تعرضوا على مدى سنوات للهجوم والانتقاد بسبب بطشهم وقمعهم، لا شك أنهم كانوا يضحكون في سرهم علينا لأننا ظنناهم مستبدين وطغاة، بينما لم يكونوا كذلك مطلقاً.
الآن وبعد أن ذاب الثلج وبان المرج، وبعد أن انكشف المستور، تبين أن من كنا نعتقدهم طواغيت كانوا في الواقع مجرد طراطير وجلادين وأدوات قذرة ووكلاء صغار لقوى خارجية مقابل منافع معينة.
كم أخطئنا في تشبيه بعض الحكام الذين بطشوا بشعوبهم على مدى العقود الماضية بستالين أو بهتلر أو غيرهما. لا شك أبداً أن هؤلاء الجلادين والجنرالات الصغار الذين كنا نشبههم بسفاحين عالميين كبار كانوا سعداء جداً بانتقاداتنا وأوصافنا الخرافية التي كنا نغدقها عليهم زوراً وبهتاناً.
لا ريب أبداً أن بعضهم كان ينتفخ فرحاً، وينفش ريشه عندما كان يسمع بعض المنتقدين وهم يشبهونه بهتلر أو جنكيز خان أو تيمور لنك، لأنهم في واقع الأمر مجرد أجراء ونواطير صغار لا يملكون من أمرهم شيئاً.
شتان بين ستالين وأي حاكم من حكام العالم الثالث. لماذا؟ لأن ستالين كان فعلاً طاغوتاً دموياً مجرماً، لكنه في الوقت نفسه، كان صاحب مشروع ورؤية، وكان، اختلفنا أو اتفقنا معه، قائداً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى رغم جرائمه الكبرى ودمويته وطغيانه السافر.
لم يكن ستالين أداة صغيرة لا في يد الغرب ولا الشرق، بل كان قائداً رغم تعامله البربري أحياناً مع شعبه وجرائمه النكراء بحقه التي سجلها التاريخ. لقد كان ستالين رجلاً بغض النظر عن أفعاله وطريقة حكمه الهمجية. لم يفعل ما فعله نيابة عن هذه الجهة أو تلك، ولم يصل إلى السلطة أصلاً بأوامر ومباركة خارجية، ولا أحد يستطيع أن يتهمه بأنه مجرد طرطور أو أداة قذرة في أيدي الآخرين لتنفيذ مشاريع ومخططات خارجية في وطنه.
على العكس من ستالين وغيره من الطواغيت الحقيقيين، نرى أن بعض حكام العالم الثالث الذين تشبهوا به أو شبههم البعض به هم ليسوا طغاة ولا طواغيت بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل كانوا مجرد أدوات. من المعروف أن الأدوات لا تعمل لحسابها الخاص، بل لحساب غيرها. لا يمكن أن يكون الحاكم الذي وصل إلى السلطة بإيماءة خارجية وبضوء أخضر غربي، لا يمكن أن يكون قائداً وطنياً، ولا حتى طاغية، فالطاغية الحقيقي ينفذ مشاريعه الخاصة حتى لو كانت إجرامية، بينما البعض الآخر ينفذ منذ وصوله إلى السلطة مشاريع خارجية في بلده، وهو أشبه بالسجان الذي يقهر السجناء ويعذبهم ليس بناء على رغبته الشخصية، بل تنفيذاً للمهام الموكلة إليه من أسياده ومديريه.
لقد أظهرت السنوات الماضية أن الكثير من حكومات العالم الثالث مجرد وكلاء، بدليل أنه عندما فشل الوكيل في مواجهة الشعوب، تدخل الكفيل الخارجي فوراً. وبالتالي فإن معركة الكثير من شعوب العالم النامي ليست مع الوكيل الداخلي بل مع الكفيل الخارجي. وصدق الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي عندما قال ما زلنا في العالم الثالث بعيدين عن الاستقلال الحقيقي ولا بد أن نناضل طويلاً كي نحقق الاستقلال الثاني؟