
علي ناجي الرعوي
من البديهي أن مهمة المبعوث الأممي الجديد في اليمن والمرجح أن يكون الدبلوماسي البريطاني مارتن غريفثت لن تكون سهلة في بلد أنهكته الصراعات والحروب المستمرة منذ ما يقرب عن ثلاث سنوات مع ذلك فهناك من يعتقد أن هذا المبعوث سيكون أوفر حظاً من سابقيه العربيين جمال بنعمر وإسماعيل ولد الشيخ بالنظر إلى خبرته الطويلة في التعامل مع النزاعات العربية والدولية وثقافته الواسعة في إدارة الحوارات بين أفرقاء الصراعات عوضا عن أنه الذي قد يستخدم الحضور السياسي لبلاده إقليمياً ودولياً كإحدى الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن من أجل تفعيل جهود الوساطة الأممية لحل إحدى أشد الأزمات استعصاء ومأساوية في المنطقة.
ومع أنه من المبكر الجزم بأرجحية نجاح أو فشل غريفثت فإن الأداء المتذبذب للمبعوثين العربيين جعل عدداً كبيراً من اليمنيين الذين يكتوون بنار الظروف المعيشية الصعبة وتقطعت السبل ببعضهم نزوحاً وتشرداً في ظل سعير حرب المغالبة أكثر تفاؤلاً وأملاً في استيعاب ذلك المبعوث للحالة اليمنية متكاملة الأركان وأنه الذي سيجد فرصاً كثيرة لإحداث اختراق في الساحة اليمنية والقفز على التحصينات التي كانت تقف عقبة أمام من سبقوه خصوصاً وهو من يمتلك خلفية كافية عن تشعبات الصراع في اليمن فقد زار صنعاء مطلع أكتوبر الفائت والتقى قيادات لحركة أنصار الله والرئيس الراحل علي عبدالله صالح قبل أن ينتقل إلى الرياض للقاء الرئيس عبد ربه منصور هادي وبعض أركان حكومته كما أن المؤشرات المتوافرة إلى حد الساعة تعطيه أفضلية تسمح له بالعمل مع الأطراف الدولية والإقليمية وفهم تداخلات العلاقات في المنطقة بشكل أفضل وبما يحفظ شيئاً من التوازن في الساحة اليمنية.وإذا كان في شخصية غريفثت وثقافته وتجربته ما يمكن أن يدفع بمهمته في اليمن الى كبح جماح العنف واعادة اطراف الصراع إلى طاولة المفاوضات فلا أدري كيف له أن يتجاوز العوائق الذاتية التي تسببت بها تداعيات الحرب والتي تصب تقريبا لصالح عدم الاستقرار إذ تظهر اليمن مع بداية 2018 بين فكي كماشة وبين أكثر من سيناريو ومن ذلك سيناريو تفكيك أوصال الجغرافيا اليمنية إلى عدة (يمنات) وعلى نحو يختلف جذرياً عن مشهد ما قبل العام 1990 حينما كان اليمن مشطراً إلى دولتين شمالية وجنوبية بيد أن ما هو حاصل الآن أعمق من انقسام البلاد إلى شمال تسيطر عليه جماعة أنصار الله وجنوب تهيمن عليه القوى المؤيدة للرئيس المعترف به دولياً، وذلك بعد أن أصبح الجنوب كما هو الشمال عدة كيانات تتنازع كل منهما عدة جماعات ومراكز نفوذ تحركها المصالح والأهواء يبدو أن الوضع في اليمن يتجه إلى مزيد من الغموض ولا أحد يستطيع التكهن بما قد يكون عليه في الأسابيع والأشهر المقبلة فالقوى المتقاتلة على الأرض متناقضة فيما بينها كما أنها التي لم تستوعب حتى الآن جذور الصراع وعلى ماذا تتقاتل ؟ وفي الجانب الآخر لا أظن أيضا أن التحالف العربي يمتلك في اللحظة الراهنة خطة لمعالجة وضع دولة منهارة أو لم تعد قائمة كما أن تناقض مصالح أطراف هذا التحالف قد أسهم بشكل أو بآخر في تعدد أوجه الصراع وتصاعد منسوب الفرز المناطقي في المناطق التي توصف بالمحررة جنوب وشرق اليمن والتي تقع تحت سيطرة القوات الموالية للتحالف.يدرك معظم اليمنيين الذين تم برمجتهم طرف ضد آخر أن خطة تفكيك دولتهم قد بدأت عملياً في مؤتمر الحوار الوطني العام 2013 تحت عناوين مختلفة من أهمها الفيدرالية والمناصفة الشمالية الجنوبية وتقاسم الثروة وهيكلة المؤسسات العسكرية والأمنية وغيرها من العناوين التي أسهمت مجتمعة أو منفردة إلى تفكيك الدولة بدلا عن تفكيك الأزمة التي كانت تمر بها البلاد عقب موجة (الربيع العربي) العام 2011 والتي كان أساسها الصراع على السلطة من المسلم به لدى الكثيرين أن اليمن لم يعد كدولة موجوداً بعد أن حلت مكانه عدد من الكيانات المتصارعة التي لا يتمتع أي منها بالقوة العسكرية الكافية التي تمكنه من إعادة توحيد البلاد تحت إدارته.. فالجيش اليمني الذي جرى إعادة هيكلته بناء على بنود المبادرة الخليجية كان الجيش الوحيد من بين جيوش بلدان الربيع العربي الذي انقسم على نفسه ليتطور الأمر بتطور الأحداث بعدها حيث تعمق الشرخ في جسد ذلك الجيش بصورة أكبر مع الانخراط في الحرب الراهنة والمستمرة منذ إعلان التحالف العربي تدخله عسكرياً في اليمن نهاية مارس 2015 حيث أصبح الجيش موجها ضد بعضه البعض وموزعا تحت قيادتين و وزارتين دفاع ورئاستي أركان كل منهما تعتبر الأخرى غير شرعية وما حدث لمؤسسة الجيش من انقسام حدث لكل مؤسسات الدولة ليصبح مستقبل اليمن متأرجحا بين رهانات الحاضر وتراكمات الماضي وحرب غير مقتصرة على منطقة معينة ولكنها ممتدة وقد يكون لها تأثير سلبي ومخيف على المنطقة ككل. هذا هو اليمن ببساطة وعلى الرغم من أن دور المجتمع الدولي كان بارزاً جداً منذ أزمة العام 2011 إلا أن ما يبدو من خلال متابعة الأحداث التي تسارعت في سنوات الحرب الثلاث يؤكد أن الدول الكبرى سمحت بالتدخلات الخارجية في اليمن من الدول الإقليمية ولكنها لم تسمح حتى الآن بإحداث أي تغيير في مجريات الصراع وهو ما يفتح التساؤلات في جميع الاتجاهات وأولها هو عن مدى جدية الأمم المتحدة في تنفيذ ما ستتعهد به لمبعوثها الجديد الذي يطمح إلى صيغة تمنع استمرار التصعيد العسكري وتنهي حالة التشظي في البلاد وما نخشاه أن يجد هذا المبعوث نفسه محكوماً بتجاذبات الفاعلين الدوليين لينتهي به المطاف إلى حمل حقائب أمتعته ومغادرة اليمن بصمت.