
باولا سوباتشي
مع اقتراب إيطاليا مما يَعِد بأن يكون واحدا من أكثر انتخاباتها العامة إثارة للجدال منذ العام 1945، تتحول البنوك إلى مشكلة ضخمة يتغافل الجميع عن ذِكرها. الواقع أن هذه المشكلة أكبر وأكثر إرهاقا من أن تكون موضع تجاهل، فهي تشكل مصدراً ثابتاً للحرج للأحزاب التي كانت في الحكم منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية في العام 2008، وخاصة لرئيس الوزراء السابق ماتيو رينزي، الذي يأمل في إعادة حياته السياسية إلى الوجود في مارس. وهي تمثل أيضا هدفاً سهلاً للشعبويين المناهضين للمؤسسة من حركة الخمس نجوم.
الواقع أن البنوك الإيطالية تلخص كل المشاكل التي جلبتها الأزمة المالية إلى البلاد، والتي يستفيد منها الشعبويون: الركود المزدوج الذي يعقبه تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع معدل البطالة وخاصة بين الشباب، وانهيار الطلب المحلي. كما تجسد البنوك التشابك بين المصالح الخاصة، والممارسات الرديئة، بل وحتى الفساد الذي أصبح، إلى جانب «الحياة العذبة»، من السمات المرتبطة بإيطاليا.
على الرغم من إنقاذ أربعة بنوك محلية من خلال تحميل دائنيها والمودعين لديها جزء من الخسائر، وضخ السيولة إلى مونتي دي باتشي (أحد البنوك المهمة جهازيا في إيطاليا)، وتصفية بنكين إقليميين، وإنقاذ المجموعة المصرفية المتوسطة الحجم كاريج بقيادة السوق ــ وكل هذا في غضون عامين ــ فإن النظام المصرفي لم يستقر بعد. فهل يساعد التعافي الاقتصادي الأساسي ــ ينبغي للاقتصاد الإيطالي أن ينمو من حيث القيمة الحقيقية، هذا العام والذي يليه، بنحو 1% ــ القطاع المصرفي في إيطاليا من خلال منع زيادة القروض المتعثرة التي بلغت في مجموعها ما يقرب من 180 بليون يورو (220.9 بليون دولار)؟ أو هل ينبغي استخدام التعافي لتنظيف الميزانيات العمومية للبنوك المتعثرة، من خلال تجميع القروض المتعثرة وبيعها بسعر مخفض؟
قبل اندلاع الأزمة المالية العالمية، أُطلِق على إيطاليا وصف دولة البنوك الصلبة ذات الجذور الراسخة في الاقتصاد المحلي والتي لا تلعب أبدا بالأدوات المالية السامة مثل المشتقات المالية. وقيل أيضا إنها دولة المدخرين الحصيفين الذين دعموا القطاع العام المسرف وديونه المتزايدة الاتساع.
في أعقاب انهيار ليمان براذرز في سبتمبر 2008، صَدَّق وزير المالية الإيطالي آنذاك جوليو تريمونتي على صحة النظام المصرفي الإيطالي. ونتيجة لهذا، اعتُبِرَت أي إعادة رسملة كبيرة للبنوك الإيطالية وإنشاء «بنك لإدارة القروض الرديئة» لامتصاص القروض المتعثرة أمرا غير ضروري.
وبعد مرور عشر سنوات، لم تعد إيطاليا الأرض المتصورة للبنوك المزدهرة والمدخرين السعداء. فقد أضر الركود المطول والوعكة الاقتصادية بمعدل الادخار الفردي، في حين لم تعد البنوك تملك الموارد اللازمة لتوفير راحة البال للعديد من المستثمرين الأفراد، الذين تآكلت ثقتهم بشدة.
وفي أواخر العام 2015، كُسِر الاتفاق الضمني بين البنوك والمدخرين، عندما جرى إنقاذ أربعة بنوك محلية متعثرة وتلقى المساهمون الضربة. لسنوات، كان هذا الاتفاق يشكل الأساس للقمع المالي على الطريقة الإيطالية، والتي بموجبها تاجر المدخرون الكارهون للمجازفة بأمان، على افتراض ضمني مفاده أن البنوك من غير الممكن أن تفلس، وتقبلوا عوائد حقيقية منخفضة نسبياً. وأحدثت ردة الفعل السياسية السلبية الناجمة عن عمليات الإنقاذ حالة من تبادل اللوم بين الحكومة وأحزاب المعارضة، بل وحتى بين الساسة والهيئات التنظيمية، مع اتجاه الجميع إلى إلقاء اللوم على الاتحاد الأوروبي وتنظيماته المصرفية.
سوف تضطر الحكومة المقبلة في الرابع من مارس إلى جعل القطاع المصرفي على رأس أولوياتها. ومن أجل استعادة الثقة بين المدخرين والمستثمرين، يتعين عليها أن تجد حلا لتطهير دفاتر ميزانيات البنوك من القروض المتعثرة، التي تقوض الائتمان، وهذا من شأنه أن يجعل رأس المال أكثر تكلفة، فيعمل بالتالي على إعاقة الاقتصاد.
ولابد أن يكون الحل بقيادة السوق، لأن حجم القروض المتعثرة كبير للغاية، والتعافي بطيء للغاية، مما يجعل استيعاب هذا الدين تدريجيا أمرا بالغ الصعوبة. وعلى هذا فربما تحتاج الحكومة الجديدة إلى تحديد الحالات حيث تعمل فيها القروض المتعثرة على إعاقة الأداء الطبيعي للبنوك، وبيع هذا الدين، ودعم رؤوس أموال البنوك المتضررة. في الوقت نفسه، يتطلب الأمر إصلاح إجراءات الإفلاس المدنية، لضمان التحرك السريع في التعامل مع أصول المقترضين المتعثرين.
ولاستعادة الثقة والمصداقية، لابد أن يكون الحكم السليم في صلب خطط الحكومة المقبلة في التعامل مع البنوك. على مر السنين، تسببت الزلات التنظيمية، وافتقار مجالس الإدارة إلى الاستقلال، وجرعة كبيرة من القمع المالي في تحويل العديد من البنوك إلى قنوات لتمويل أفراد الأسرة، والأصدقاء، والرفاق السياسيين.
كبيرة زملاء تشاثام هاوس، وأستاذة الاقتصاد الزائرة في جامعة بولونيا.