فريد أحمد حسن
تطور الحياة وتطور الأدوات التي يتم بها حل المشكلات واتخاذ القرارات المهمة اليوم مثل مجالس الشورى والبرلمانات - وكلها أدوات ديمقراطية نافعة ومهمة - لا يمنع من الاستعانة بالأساليب التقليدية التي كانت متبعة في دول الخليج العربي حتى وقت قريب، بل لعل اللجوء إليها يعين على حل مشكلات كبيرة - ربما كان مستحيلا حلها بالأدوات الجديدة - كالتي طرأت أخيرا وتهدد التعاون الخليجي، خصوصا وأنه تأكد صعوبة حلها عبر عقد جلس عادية أو طارئة لمجلس التعاون، فهذه المشكلة التي تتعقد يوما بعد يوم ودخلت شهرها السابع وأثرت على إيقاع الحياة اليومية للخليجيين في الدول الست وجرحتها وتقلقهم ربما كان صعبا حلها بالطرق الحديثة، بما في ذلك الطرق الدبلوماسية، لهذا لا ضير من الاستعانة بالطرق التقليدية المتمثلة في الاحتكام إلى حكماء الخليج وحسم الأمور في «جلسة بدوية» تعقد في أي مكان ويلتزم فيها الجميع بما يتم الاتفاق عليه بين «الرجال».
لكن لأن هذا الأمر يبدو صعباً في هذه المرحلة، وبعدما وصلت المشكلة إلى ما وصلت إليه، وتأكد ذلك في قمة الكويت التي غاب عنها أكثر القادة، لذا صار من المنطق الدعوة إلى التحرك الشعبي لحلها، فاليوم يتوفر بدول مجلس التعاون الكثير ممن يمتلكون الخبرة والثقافة والتجربة من أبنائها الذين يمكنهم القيام بدور «الوسيط» وقيادة تحرك شعبي يفضي إلى النتيجة المنشودة.
مبادرة بعض هؤلاء الأبناء ستجد الصدى المطلوب والاستجابة من كل الخليجيين المؤهلين لهذا الفعل، وعقدهم لقاءات في عمان أو الكويت أو فيهما بالتناوب - كونهما محايدتين وليستا طرفا في المشكلة الطارئة - سيثمر ما قد لا يتصوره البعض الآن، والأكيد أن قادة التعاون جميعا سيثمنون هذه الخطوة وسيتجاوبون مع ما أثمرت، والأكيد أيضا أن شعوب دول التعاون ستدعم هذا التوجه وما يسفر عنه، ولعل هذه الخطوة تسهل عقد قمة يحضرها كل القادة الذين يكونون قد قطعوا شوطا في تفهم المطلب الشعبي وتحرك الأبناء وصار لديهم الاستعداد الكافي لتبني ما أثمرت عنه تلك اللقاءات والاتفاق على الدخول في مرحلة جديدة خالية من أي خلافات ومن كل ما يؤدي إلى الشقاق.
ليس هذا الأمر بالمستحيل لأنه ببساطة ممكن بل ممكن جدا، وكل ما يحتاجه هو قيام بعض الأبناء الذين صارت لهم المكانة الاجتماعية المرموقة وصاروا أعلاما واكتسبوا احترام الجميع بالمبادرة ودعوة المؤهلين من كل دول مجلس التعاون لحضور تلك اللقاءات التي ينبغي أن تكون بعيدة عن كل الضغوط ولا يمثل المشاركون فيها إلا أنفسهم ويخرجون بتوصيات محددة يسعى إلى تنفيذها فريق يتم انتخابه ويعبر عن الدول الست، مهمته زيارة القادة وإطلاعهم على ما توصل إليه الأبناء وتريده شعوب التعاون، ثم الترتيب لعقد القمة المفترضة.
هذه الخطوة من شأنها أن توصل رسالة واضحة إلى قادة التعاون مفادها أن شعوب دول التعاون تعبت من هذا الذي حدث ولا يزال يحدث وأنه حان الوقت لإيجاد حل للمشكلة ومخرج يعيد الأمور إلى نصابها ويعيد مجلس التعاون إلى رونقه وقوته ودوره وتميزه وأن الذي حدث ينبغي ألا يكون سببا في هدم ما تم بناؤه في أربعة عقود والعودة إلى ما كانت فيه دول التعاون قبل إنشاء مجلس التعاون.
المشاركون في هذه اللقاءات ليسوا من «الحكوميين» وليسوا من الأعضاء بمجالس الشورى والمجالس النيابية، فلهؤلاء أن يلتقوا بطريقتهم ويوصلوا ما يتوصلون إليه إلى القادة بطريقتهم أيضا. المشاركون في اللقاءات الشعبية ينبغي ألا يكونوا من المنتمين إلى أي جهاز رسمي كي يعبروا بصدق عن شعوب التعاون حتى ولو لم تقم تلك الشعوب بانتخابهم بسبب الظرف الذي يحكم ويصعب معه إجراء هذا النوع من الانتخابات.
اليوم يتوفر في كل دولة من الدول الخليجية الست رجال ونساء من حملة الشهادات العليا وممن اكتسبوا ما يكفي من الخبرة والتجربة السياسية التي تعينهم على عقد هذا النوع من اللقاءات والخروج منها بما ينبغي الخروج به من قرارات يعود نفعها على دول التعاون كافة، والأكيد أن هؤلاء ليسوا بأقل مستوى من «المستشارين» الذين يؤتى بهم من الخارج ويشيرون على من استشارهم بما يريده وما يجد هوى في نفسه وليس بما يعينه على اتخاذ القرار الصائب.
هؤلاء الأبناء هم الأكثر قدرة على التعبير عن شعوب التعاون والأكثر قدرة على التوصل إلى ما تريد هذه الشعوب التوصل إليه ليتم رفعه إلى القادة الذين سيجدون دونما شك ما ينفعهم وما يسهل عليهم طريق الخروج من هذه المشكلة التي أرقت كل شعوب التعاون وصارت تنتظر اللحظة التي يسدل فيها الستار على هذا الذي يجري ويسهل تصنيفه في باب اللامعقول، فهو أمر لم يكن في الحسبان ولم يكن متوقعا أبدا.
الوقت الذي يضيعه اليوم بعض المثقفين الخليجيين المؤهلين للقيام بهذا الدور في نشر تغريدات لا تفضي إلى مفيد أو في تدبيج مقالات عاطفية أو تنطلق من معلومات ناقصة ولا تخدم إلا طرفا بحكم الانتماء، الأولى لهم بدلا عن ذلك أن يصرفوه في مثل هذه الخطوة العملية التي سيدهشون هم أنفسهم من نتيجتها خصوصا إن تناسوا خلالها تلك الانتماءات وتحرروا من المواقف المسبقة والآراء المتعنتة ونظروا إلى مستقبل دول مجلس التعاون ومستقبل شعوبها ومستقبل المنطقة، ووضعوا في اعتبارهم ما تشهده المنطقة من تطورات لا تصب في مصلحة المختلفين.
· كاتب بحريني