يانيس فاروفاكيس
بحلول سنة 2016 أدرك معظم الأوروبيين تقريباً بأن السياسة الراديكالية والإصلاحات المؤسساتية ضرورية من أجل إعادة إحياء المشروع الأوروبي ولكن أعيق الإصلاح الجاد بسبب الخلافات الاعتيادية المتعلقة بما ينبغي عمله وهو نزاع وصفه الرئيس الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون على أنه «حرب مقدسه» بين النخب الألمانية والفرنسية.إن من أبرز أحداث السنة المنتهية للتو هو انتخاب الرئيس الفرنسي والذي كان من دواعي سرور المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل لكن في نهاية المطاف أظهرت تلك السنة أنه من غير المهم من يحكم في برلين وفي باريس أو مدى حب الرئيسين لبعضهما فالحرب المقدسة مستمرة وحتى وإن كانت الصواريخ المستخدمة من قبل كل طرف في تدمير مقترحات الطرف الآخر مغلفة بمخمل دبلوماسي.
إن جوهر الحرب الفرنسية –الألمانية هو عبارة عن صراع بين الالتزام الألماني بالاستقامة وسداد الرأي وميل الفرنسيين إلى إعادة التوزيع فالمسؤولون الألمان يتعاملون مع كل مقترح حكومي فرنسي وذلك عن طريق حساب تكلفته على دافعي الضرائب الألمان بينما يرى المسؤولون الفرنسيون أن وراء كل اقتراح ألماني مضاد خدعة من أجل الاختباء وراء القواعد والأحكام وذلك حتى تحتفظ النخب الألمانية بالكعكة كاملة لنفسها. إن استمرار انحدار أوروبا نحو الركود وسوء السمعة هو النتيجة الطبيعية.
ربما إصرار الألمان على الاستقامة وسداد الرأي صحيح لكن ليس بالمعنى الذي يقصده المسؤولون الألمان بالضرورة فأنا لا أستطيع وبضمير حي أن أدعم أي فرنسي أو إيطالي أو يوناني يناصر إعادة التوزيع لو كانت مقترحاتهم تنتهك مبادئ الاستقامة وسداد الرأي. إن من المؤكد أن عمل ما هو صحيح هو أفضل من عمل ما هو خطأ وإن كان ملائما ولكن تصبح الأسئلة: ما هو الشيء الصحيح الذي يتوجب عمله؟ وكيف يمكن أن نتفق على أي أجابه نظرا للمصالح والنزعات والخلفيات الثقافية المختلفة؟
إن هناك شيء مؤكد واحد: لن يكون بإمكاننا على الإطلاق أن نجد ما هي الأشياء التي تتطلبها الاستقامة وسداد الرأي لو كان الدافع الوحيد الذي يحركنا هو مصالحنا فالطريق المسدود الذي تواجهه أوروبا يعود بشكل عام إلى المواجهة بين رغبات وأهداف ومخاوف متعارضه. إن المخاوف الألمانية من التجاوز اليوناني-اللاتيني للأحكام والقواعد سوف تنتصر دائما على المخاوف الفرنسية من رغبة الألمان في تعزيز سلطتهم والعكس صحيح ولكن لو أدت الرغبات المتحيزة إلى الوصول لطريق مسدود وفشلت في الكشف عن المسار الصحيح للإمام فإذن كيف يمكن أن نجد مفتاح الاستقامة وسداد الرأي ؟
«يجب أن نقوم جميعاً بواجبنا» هو جواب ألماني وهو جواب يعمل فقط على ترحيل الاختلافات إلى مستوى آخر يكون فيه جدال لا ينتهي فيما يتعلق بالواجبات المتنافسة. إن جميع الرجال المجانين الموجودون في السلطة يؤمنون بأنهم يقومون بواجبهم، إذن يصبح السؤال: «كيف يمكن أن أعرف ما الذي تتطلبه واجباتي؟ إن جواب إيماني غير مقبول كذلك وذلك نظراً للجرائم الوحشية التي ينفذها متحمسون مقتنعون بأنهم كانوا يؤدون واجبهم الإلهي.
إن أفضل جواب وقعت عيني عليه هو جواب ألماني: أيمانويل كانت على وجه التحديد حيث بالنسبة لكانت والذي عانى من أجل إعادة تعريف الأخلاق في حقبة جديدة تتعلق بمجتمعات السوق فإن واجبنا يجب أن يكون قائما على أساس قدرتنا على العقلانية والمنطق .
إن تكون منطقيا أهم من أن تكون قادرا على استخدام وسيلتك بشكل فعال من أجل تحقيق غايتك. إن جميع أنواع الحيوانات تجيد ملائمة الوسائل المتوفرة لتحقيق الغايات ولكن الإنسان فريد من نوعه حيث يصر إيمانويل كانت أنه بخلاف القطط والكلاب نحن نستطيع تقييم رغباتنا منطقياً بحيث يمكن أن نسأل أنفسنا، أنا أحب هذا الشيء ولكن هل يجب أن أحبه ويمكننا أن نقول كذلك أن واجبي هو أن أعمل شيئا آخر وحتى لو أدى عمل ذلك الشيء الآخر إلى نتائج لا أرغبها وذلك نظرا لتوقعاتي المتعلقة بما قد يفعله الآخرون.
لكن لو كان ما يدل على الشخص المنطقي هو قدرته على التصرف على أساس أسباب تتجاوز تحليل التكلفة والفائدة، إذن كيف يمكن أن نستدل على واجبنا المنطقي بدون تحيز وبدون أي تأثير للمصالح والتحيزات الشخصية؟
لا نحتاج للدين أو للأخلاق من أجل إظهار واجبنا لقول الحقيقة فالبرهان المنطقي العملي هو ما نحتاجه فقط: إن عالم يكذب فيه الجميع هو عالم سيموت فيه منطق البشر والذي يعتمد بشكل كامل على اللغة. إذن فواجبنا الوطني يحتم علينا أن نقول الحقيقة بغض النظر عن الفوائد الذي قد يجلبه الكذب لنا عمليا.
لو طبقنا فكرة كانت على مجتمعات السوق لتمكنا من استخلاص نتائج مذهلة.
لو رجعنا إلى أوروبا لوجدنا أن مبدأ كانت يوحي بواجبات مهمة للحكومات والأنظمة السياسية وبأن هناك تقصيراً من ألمانيا وفرنسا فيما يتعلق بواجباتهما تجاه أوروبا فعالة.لو تم تعميم فوائض الحساب الجاري الألمانية والتي تصل إلى %9 من الناتج المحلي الإجمالي على كل الحكومات والقطاع الخاص والمدخرات الصافية للأسر في الدول الأعضاء فإن اليورو سيرتفع بشكل كبير للغاية مما يدمر معظم التصنيع الأوروبي وعلى حد سواء فإن تعميم العجز المالي اليوناني-اللاتيني سوف يجعل أوروبا بدون فائدة.
إن الحل وواجبنا المنطقي هو تبني سياسات وبناء مؤسسات تتوافق مع التجارة والتدفقات المالية المتوازنة. أي بعبارة أخرى فإن الاستقامة الألمانية الحقيقية لا يمكن تحقيقها بدون شكل من أشكال إعادة التوزيع والتي من المؤكد أنها ستصطدم بمصالح الاوليغارشية الفرنسية أو اليونانية.
إن أي ناقد للفكرة الألمانية من أجل إصلاح أوروبا قد يسأل لماذا يتوجب على الشخص أن يقوم بواجبه المنطقي عوضا عن الاستمرار في المسار المتبع منذ فترة طويلة والمتعلق بالمصالح الذاتية الضيقة؟، الجواب الصحيح: لأنه لا يوجد بديل منطقي أو لأن البدائل تنطوي على الرياء والنفاق.
وزير مالية اليونان الأسبق، وأستاذ الاقتصاد في جامعة أثينا.