
فريد أحمد حسن
بعد فوز منتخب سلطنة عُمان لكرة القدم وتتويجه بطلا لخليجي 23 بتغلّبه على منتخب الإمارات ردد جمهور الإمارات عبارة «حيوا العُماني حيوه»، بينما ردد جمهور عُمان «حيوا الإماراتي حيوه»، تأكيدا على أن ما يجمع أهل الخليج أكثر مما يفرّقهم، وتأكيدا أيضا على أن ما حدث في رمضان الماضي أمر طارئ لم يؤثر على العلاقة بين شعوب دول المجلس بل لعله كان سببا في تقويتها، فما حدث كان بالفعل طارئا وغريبا على أهل الخليج العربي، وسينتهي قريبا، وهو ما راهن عليه الوسيط الكويتي صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت سواء بإصراره على عقد اجتماع قمة التعاون في الكويت، أيا كان مستوى المشاركة فيها، أو باستضافته بطولة كأس الخليج وتسخير كل إمكانات الكويت المادية والبشرية لإنجاحها.
وبعيدا عن تجاوز البعض الذي ربما ما يزال مدفوعا بالعواطف ودخوله في ملاسنات يمكن التبرير لها بالقول بأنها أمر طبيعي في مثل هذه الحالة، خصوصا أنها المرة الأولى التي يحدث فيها هذا الشيء في هذه الدول، بعيدا عن هذا فإن ما عبّرت عنه الجماهير الخليجية في ستاد جابر وظلت شعوب دول مجلس التعاون تعبّر عنه منذ بدء الأزمة هو الصح وهو الأساس، خصوصا أن هذه الشعوب على غير اطلاع بكثير من التفاصيل التي أدّت بالقادة والحكومات إلى الذهاب إلى ذلك الخيار. لهذا فإنه يمكن القول بأن هذه الشعوب، رغم كل احترامها وتقديرها للقيادات والحكومة الخليجية، ليست مع التفرّق والاستمرار في الخلاف ولكنها مع كل ما يُعيد المياه إلى مجاريها، ولولا هذا لما نجح خليجي 23 ولتحوّلت المناسبة إلى فرصة للتعبير عن المواقف السالبة، ولتحوّلت الكويت إلى ساحة للعراك وتصفية الحسابات.
نجاح الكويت في تنظيم هذه الدورة، وتأكيد الشعوب الخليجية عبر تلك المشاهد على أنها شعب واحد وليست ستة شعوب، وفّر المثال العملي على أن «خليجنا واحد ومصيرنا واحد» وأوصل رسالة مهمة لقادة مجلس التعاون ملخصها أنه لا بأس أن تختلفوا وتتخذوا المواقف التي ترونها صحيحة من وجهة نظركم ولكن لا تسمحوا بالتفريط في ما تم بناؤه على مدى أربعين سنة وهو من جهدكم، فمن غير الممكن أن تفترّق شعوب التعاون بعدما نجحتم في جعلها شعبا واحدا، ومن غير الممكن لهذا الشعب أن يقبل بجرحه خصوصا وأنه لا توجد مشكلة ليس لها حل.
طبعا هذا لا يعني أن حكومات دول التعاون أخطأت في اتخاذها تلك القرارات المؤلمة، إذ لولا أن الأمر كان يستدعي ذلك لما حدث كل ما حدث، ولولا أن التطورات اللاحقة فرضت الاستمرار في تلك القرارات لما تم الاستمرار فيها، وفي كل الأحوال فإن هذه الأمور ينبغي ألا تستمر وأن تعمل حكومات التعاون على رأب الصدع وتتعاون على تحقيق أمنيات شعب التعاون بتجاوز ما حدث وبدء صفحة جديدة خصوصا أن طبيعة المرحلة المليئة بالمتغيّرات المتسارعة تستوجب العمل معا والتكاتف وإلا تضرر الجميع.
الجروح التي طالت الجسد الخليجي في الفترة الماضية ليس صعبا مداواتها، لكن التأخر في هذا سيجعله صعبا، وسيزداد صعوبة كلما تأخرنا في مداواة تلك الجروح؛ فالشعوب الخليجية، وأية شعوب، تحكمها العواطف وهي ليست كما الدبلوماسيين الذين يختلفون ويتلاسنون ويصرحون ضد بعضهم البعض وقد يتعدون حدود اللياقة والكياســـة ثم يجلــسون لتناول الغداء معا ويتبادلون النكات ويضحكون.
ما عبّر عنه جمهور خليجي 23 هو الحال التي عليها شعوب دول مجلس التعاون، هذه الشعوب التي مع تأكدها من أن قادتها لم يتخذوا القرارات التي اتخذوها اعتباطا وأنهم اضطروا إليها اضطرارا، ومع وقوفها قلبا وقالبا مع القادة، إلا أنها في داخلها ترفض ما حدث ولا تقبل بكل التطورات السالبة التي حدثت نتيجة ذلك، ولا تضيع أي فرصة لتعبّر عن كل ذلك، وهو ما تبيّن بوضوح في دورة كأس الخليج التي نظّمتها دولة الكويت عندما أصرّ المشاركون فيها على عدم الدخول في مهاترات ومناقشات لا تجلب غير الأذى ولا تحل المشكلة، وأكدوا هذا التوجه عندما اعتبروا فوز هذا الفريق أو ذاك فوزا للجميع، وهتفوا جميعا بصوت واحد «حيوا الخليجي».
لعل الوقت صار مناسبا للإفراج عن كل الفعاليات الخليجية التي تعطلت، بقرار أو من دون قرار، نتيجة ذلك الطارئ بغية منع توسيع المشكلة، فالواضح اليوم هو أن الغالبية إن لم يكن الجميع يؤمنون بأن هذه الفعاليات والأنشطة الخليجية المشتركة مثل المهرجان المسرحي الخليجي ومهرجان الإذاعة والتلفزيون وفعاليات وأنشطة أخرى كثيرة يمكن أن تكون سببا في إعادة الكثير من الأمور إلى ما كانت عليه وتحويلها إلى فعل موجب يسهم في حل المشكلة الأكبر، والأكيد أن المرشح للدفع في اتجاه اتخاذ مثل هذا القرار هو دولة الكويت وسلطنة عُمان اللتان يمكنهما احتضان كل تلك الأنشطة والفعاليات وتعزيز موقف شعوب دول مجلس التعاون التي ستكون متحمسة لتكرار التجربة التي مرّت بها في دورة كأس الخليج بدولة الكويت وتراهن على نجاحها.
استعداد شعوب دول المجلــس لتجاوز ذلك الطارئ والغريب على دول المجلـــس، وتوفيرها المثال العملي على ذلك الاســتعداد في ســـتاد جابر يختصـــر الطريق إلى المصالحة الخليجية - الخليجية، والاستمرار في الفعاليات والأنشطة الخليجية المشتركة سيسهم في الوصول إلى المنشود.
كاتب بحريني