الصين.. تنين الإبداع

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ١٠/يناير/٢٠١٨ ٠٤:٤٦ ص
الصين.. تنين الإبداع

سيمون جونسون

حققت الصين الكثير منذ العام 1978، عندما أطلق دنج شياو بينج عملية الانتقال إلى اقتصاد السوق. وفي ما يتصل بالتقدم الاقتصادي الأساسي، كانت وتيرة التحوّل في الصين على مدار السنوات الأربعين الفائتة غير مسبوقة. فقد سجّل الناتج المحلي الإجمالي الصيني نموا بلغ 10%تقريبا في المتوسط سنويا، في حين عملت الصين على إعادة تشكيل أنماط التجارة العالمية وأصبحت الدولة صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالَم. وساعد هذا النجاح في انتشال 800 مليون شخص من براثن الفقر، كما انخفض معدل الوفاة بين الأطفال دون سن الخامسة بمقدار النصف في الفترة من 2006 إلى 2015.

السؤال الآن هو ما إذا كانت الصين، التي أصبحت في وضع يسمح لها بالتحوّل إلى الدولة الرائدة في مجال الإبداع على مستوى العالَم، لتدرك هذه الفرصـــة في العام 2018 أو بعده بفترة وجيزة.
كان تحوّل الصين مدعوما بطفرة غير مسبوقة في الصناعات التحويلية. ففي العام 2016، شحنت الصين بضائع تجاوزت قيمتها 2 تريليون دولار أمريكي إلى مختلف أنحاء العالَم، وهو ما يعادل 13%من إجمالي الصادرات العالمية. كما سعت الصين إلى تحديث اقتصادها من خلال الاستثمارات الضخمة في البنية الأساسية، بما في ذلك الجسور والمطارات والطرق ومرافق الطاقة والاتصالات. وفي غضون أقل من عقد من الزمن، أقامت الصين أكبر شبكة للقطارات فائقة الســـرعة في العالَم، والتي تجاوزت 22 ألف كيلومتر (13670 ميلا) في يوليو 2017. ومن المتوقع أن يرتفع الاستهلاك السنوي بما يقرب من 2 تريليون دولار بحلول العام 2021، أو ما يعادل إضافة سوق استهلاكية إضافية بحجم ألمانيا إلى الاقتصاد العالَمي.

في وقت سابق من هذا الشهر، أعلن تيم كوك الرئيس التنفيذي لشركة أبل أن «الصين توقفت عن كونها دولة تتميّز بانخفاض تكاليف العمال قبل سنوات عديدة، وهذا ليس سببا للذهاب إلى الصين». تكمن قوة البلاد التصنيعية الآن في درايتها في مجال الإنتاج المتقدم وشبكات سلاسل العرض المتقدمة. ومن المفهوم أن تكون القيادة الصينية راغبة في زيادة الإنتاجية والاستمرار في تسلق سلسلة القيمة.
واستنادا إلى الخطة الخمسية الثالثة عشرة (في مايو 2016)، حددت السلطات أهداف تحوّل الصين إلى «دولة مبدعة» بحلول العام 2020، ثم «رائدة للإبداع الدولي» بحلول العام 2030، ثم «قوة عالمية للإبداع العِلمي والتكنولوجي» بحلول العام 2050. والصين ملتزمة أيضا بزيادة الإنفاق على البحث والتطوير إلى 2.5%من الناتج المحلي الإجمالي ومضاعفة عدد براءات الاختراع المسجلة لكل 10 آلاف مواطن بحلول العام 2020.

ولتمكين هذا الإبداع، تعمل الحكومات البلدية على بناء مراكز التكنولوجيا، على أمل اجتذاب المواهب. وتشجع مدينة قوانجتشو الباحثين، ورجال الأعمال، والشركات على التمركز هناك. ومؤخرا التزمت شركة جنرال إلكتريك ببناء أول مشروع للمستحضرات الصيدلانية البيولوجية في آسيا في الحرم البيولوجي الذي بلغت تكاليف إقامته 800 مليون دولار. وقد أصبحت مدينة شنتشن في جنوب الصين معروفة بالفعل باسم «وادي السليكون للأجهزة»، وتحتل منطقة شنتشن-هونج كونج الكبرى المرتبة الثانية في ما يتصل بتكتلات الإبداع العالمية (قياسا على عدد براءات الاختراع).
تُدار الأعمال في الصين غالبا بقدر من السرعة والرشاقة لا نظير له في أي مكان آخر في العالَم. وتتبنّى الصين نماذج رقمية بالكامل، وليس مجرد تحويل النماذج القديمة رقميا. وقد تمكنت بفضل افتقارها إلى الأنظمة القديمة من تسجيل قفزات جعلتها تسبق الغرب في مجالات مثل المدفوعات الرقمية، واقتصاد المشاركة (الدراجات غير المربوطة تجتاح العالَم الآن)، والتجارة الإلكترونية.
وقد سجّل إجمالي الإنفاق على البحث والتطوير في الصين (كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي) نموا تجاوز الضعف، من 0.9%في العام 2000 إلى 2.1%في العام 2016. وحتى يومنا هذا، كانت أغلب الزيادة متركزة في البحوث التطبيقية والتنمية التجارية، مع تخصيص 5%فقط للعلوم الأساسية. ومع ذلك، احتلت الصين المرتبة الثانية والعشرين على مؤشر الإبداع العالمي لعام 2017 (دراسة استقصائية تشمل 127 دولة واقتصادا وتستند إلى 81 مؤشرا) قبل إسبانيا، وإيطاليا، وأستراليا. كما سجلت منشورات الصين الأكاديمية عالية التأثير (أعلى 0.1%من الأبحاث في قاعدة بيانات سكوبوس، التي يتم تصنيفها وفقا للاستشهاد بالأبحاث والاقتباس منها) نموا ملحوظا، من أقل من 1%في العام 1997 إلى نحو 20%في العام 2016.

ومن المرجح أن ينتج هذا الكم الهائل من خريجي الجامعات (6.2 مليون خريج في العام 2012، أي ستة أضعاف مجموع العام 2001) مقترنا بالمغتربين المدربين دوليا من ذوي المهارات المرتفعة والذين يعودون إلى الصين بأعداد كبيرة -يبلغ عدد الطلاب الصينيين في التعليم العالي في الخارج نحو 800 ألف طالب- القدر الكافي من المواهب لتحقيق الأثر المرغوب.

كبير خبراء الاقتصاد لدى صندوق النقد الدولي سابقا.