
عيسى المسعودي
لعل الوصف الذي يمكن أن نطلقه على الموازنة العامة للدولة للعام 2018 بعد إعلان الحكومة عنها أنها موازنة واقعية في ظل الظروف الحالية، فقد جرت دراستها وتقيمها بشكل عملي من قبل الحكومة وتحديداً وزارة المالية وبشكل يراعي مختلف الظروف الحالية والمتوقعة خلال هذا العام، ولعل من أهمها المستويات المسجلة لأسعار النفط والتي شهدت خلال الفترة الفائتة تحسناً وارتفاعاً في مستويات الأسعار؛ ما يجعلنا متفائلين بموازنة تلبي متطلبات المرحلة الحالية وتعطي دفعة قوية للاقتصاد العماني وحافزاً للاستدامة وثقة للقطاع الخاص لكي يلعب دوراً مهماً في المرحلة المقبلة، ويشارك في تحقيق التنويع الاقتصادي الذي أصبح مطلباً مهماً، ومن أهم أهداف الحكومة في المرحلة الحالية والمستقبلية، إذ يتضح من موازنة 2018 أن الحكومة ورغم استمرارها في اتباع سياسة تقشفية لمعادلة الإنفاق مقارنة بالإيرادات إلا إنها أعلنت عن موازنة تدعم الإنفاق الاستثماري بمبلغ إجمالي يصل إلى 12.5 بليون ريال، وبارتفاع نسبته 6.8%، وهذا دليل كبير على حرص الحكومة على دعم تنفيذ المشاريع التنموية ومشاريع قطاع النفط والغاز ودعم قطاع الكهرباء وغيرها من المشاريع، إضافة إلى زيادة المخصصات لتنفيذ مشاريع مهمة في قطاعات حيوية مثل: التعليم والصحة والإسكان والخدمات العامة؛ ما يؤكد أننا أمام موازنة تفاؤلية تعطي مؤشرات إيجابية على المستويات كافة.
من الأمور المهمة أيضاً في موازنة 2018 احتساب سعر نفط عند 50 دولاراً أمريكياً للبرميل، ورغم تحسن الأسعار نسبياً إلا أن الحكومة فضّلت أن تكون حذرة في احتسابها لسعر البرميل، وهذا أمر مهم رغم أن الخبراء والمؤشرات تتوقع استمرار ارتفاع الأسعار خلال هذا العام أو على أقل تقدير تبقى على سعر 55 أو 60 دولاراً، ولكن هذه الأسعار غير ثابتة وغير مضمونة، لذلك اتخذت الحكومة قرارها في تحديد سعر مناسب ومعقول وحذر في الوقت نفسه ولكن يساهم في إعداد موازنة تلبي التطلعات وتحافظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وبالتالي لدينا ثقة كبيرة في الحكومة لأن لديها -والحمد لله- الخبرة التراكمية في التعامل مع أصعب الظروف التي قد تحدث في هذا الموضوع، مع تأكيد الحكومة على مبادئ أساسية تعتمد عليها عند الإعداد للموازنة وتأخذ بالاعتبار الظروف والمتغيرات كافة، والتي من أهمها دعم الحياة الاجتماعية والمعيشية للمواطن، وتعزيز ورعاية المجتمع بمختلف شرائحه، فعندما نقارن موازنة العام الفائت بهذا العام وبالظروف المحيطة كافة بإعداد الموازنتين نستطيع القول إنه لم يكن بالإمكان أحسن مما كان، فالحكومة طرحت موازنة مالية واقعية وفي الوقت نفسه تفاؤلية تعطي مؤشراً إيجابياً للجميع خاصة المؤسسات المالية المتخصصة، والتي تصدر بين فترة وأخرى بعض التحليلات أو التقارير المالية عن الدول وتحديد التصنيف المالي، وأعتقد أن هذه الموازنة للعام 2018 ستعطي صورة واضحة حول قوة الاقتصاد العماني واستقرار المؤشرات المالية عند المعدلات المقبولة لتحقيق أهداف الموازنة العامة للدولة.
لكن الموازنة، ورغم أنها أساسية إلا إنها تحتاج إلى دعم ومساندة من مختلف القطاعات والمؤسسات، بحيث تتحمل كل جهة مسؤولياتها وتعمل على تنفيذ التعليمات الصادرة من المؤسسات الحكومية المعنية خاصة فيما يتعلق بالتقليل من المصروفات والتخطيط على إيجاد مصادر دخل تعتمد على تطوير الخدمات وطرح المبادرات الاستثمارية التي تساهم في التقليل من الضغط على المصروفات وزيادة الدخل واستثمار التقنيات الحديثة في مجالات العمل، كما نحتاج في هذه المرحلة لدعم الحكومة في موضوع التنويع الاقتصادي والمساهمة في ارتفاع الإيرادات الغير النفطية والتي تحتاج إلى شراكة حقيقة بين الحكومة والقطاع الخاص لطرح مبادرات استثمارية، وتنفيذ مشاريع اقتصادية في مختلف القطاعات الحيوية تساهم في تعزيز مجالات التنويع الاقتصادي، لقد حققت الحكومة خلال الفترة الفائتة تقدماً في هذا المجال فقد حددت الموازنة لهذا العام الجاري الإيرادات غير النفطية بنحو 2.72 بليون ريال مقارنة بمبلغ 2.59 بليون، إي بنسبة ارتفاع وبنسبة جيدة مقارنة بالسنوات الفائتة، ولكن الطموح أكبر وبالتالي على الجميع أن يعزز هذه الشراكة للحصول على إيرادات غير نفطية جيدة خلال الفترة المقبلة، ودعم القطاعات غير النفطية وتعزيز مجالات الاستثمار؛ لذلك أعتقد أن دور القطاع الخاص مع الدور الحكومي ضروري في هذه المرحلة لتحقيق نتائج إيجابية تعزز وتدعم الموازنات المالية المستقبلية، فالنظرة لابد أن تكون نظرة طويلة المدى وليست نظرة وقتية، كذلك علينا أن نستفيد من تحسن أسعار النفط بشكل صحيح ودعم الاستثمار وتنفيذ المشاريع الاقتصادية التي تعود بنتائج مالية جيدة مع اتباع السياسات الحالية في موضوع الإنفاق، فهي حلقة مترابطة بعضها ببعض، أن موضوع الموازنة العامة للدولة من المواضيع المهمة التي يمكن تحليل بياناتها بشكل مفصل لأن الجميع يعتمد عليها، فهي المحرك الأساسي لعجلة التنمية والاستقرار، ولكن المهم من وجهة نظري بعد معرفة بيانات موازنة 2018 أن نتحلى بالتفاؤل وأن يعمل الجميع على تعزيز هذه الموازنة وتقويتها خلال الفترة المقبلة، فهذا التفاؤل لم يأتِ من فراغ، وإنما من التفاصيل الإيجابية التي تميزت بها الموازنة الجديدة في ظل الظروف الحالية.