إبداع الكتابة على جدران الشوارع

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٠٨/يناير/٢٠١٨ ٠٥:٢٨ ص
إبداع الكتابة على جدران الشوارع

كان الفن الكلاسيكي وما زال يلقى الثناء والتقدير في المنطقة.. والآن يشق شكل متجدد من أشكال الفن المعاصر طريقه إلى قلوب الناس أيضـــاً. في السطور التاليـــة يصحبكم جيــتو أبراهــــام في استقصـــاء عن هـــذه الظاهرة.

حظي فن الشوارع بسمعة سيئة لفترة طويلة- في ظل ظهور رسومات تخريبية ذات نغمة متمردة ومعادية للرأسمالية . لم تكن الأمور مختلفة في دول مجلس التعاون الخليجي أيضاً، حيث كانت السيارات القديمة وصناديق القمامة والمباني المهجورة –أواخر الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي- أهدافاً سهلةً لرسومات الجرافيتي العشوائية والقبيحة غالباً.

ثم ظهر بانكسي.

وقال مصطفى حلوشي، فنان الشوارع البحريني ومؤسس والمصمم الرئيســـي بشركة Moda Interiors: «لطالما أعتقد أن بانكســي كان هو من وضــــع فن الشوارع على الخريطة. في السابق، كان فن الشوارع يعني رسومات جرافيتي بسيطة وفظة تعبر عن الثقافة التي جاءت منها. كان التعبير الفني ضئيلًا في أفضل الأحوال حينئذ».
وأضاف قائلًا: «إيجاد أمثال بانكسي وإنفيدر شكلًا فنيًا جذابًا من فن الشوارع. وبعد وقتٍ قصيرٍ، بدأت الأشخاص والمعارض الفنية ملاحظة ذلك، وتحول هذا الفن إلى تجارة وهذا ما جعله رائجاً».
وفي دولة البحرين الصغيرة، ربما يستغرق الأمر وقتاً أطول قليلاً لتقبل فن الشوارع أو الجرافيتي.
وأوضح حلوشي قائلاً: «البحرين لديها تاريخ بكونها موطناً لفناني الكاليجرافي (فن الخط) الكلاسيكيين وبعض أعمال الكاليجرافي المثيرة للإعجاب. كان هؤلاء الفنانون وما زالوا مُكلفين بالرسم على الجدران في المساجد والمراكز المجتمعية؛ لذلك كان الناس معتادين بالفعل على رؤية الفن على الجدران. ولكن فن الكاليجرافيتي ونسخته المخصصة للشوارع تطور فقط خلال السنوات الخمس أو الست الفائتة».
في البداية، وبعد وقتٍ قصيرٍ، تطور ما بدأ كرسمٍ لحروف بطريقة جذابة على مساحات صغيرة في أركان أزقة عشوائية إلى اتجاه ونمط حين موّلت الحكومة مبادرات ومهرجانات لفن الشوارع جمعت كل فناني الشوارع والجرافيتي في البلاد معًا. إحدى هذه الفعاليات السنوية هو مهرجان «ألوان 338» الذي يمتد لمدة شهر، حين تتحول الأحياء المجاورة والواجهات والمباني والجدران كلها لتُشكل مظهراً فنياً.

الفن في المملكة

يبدو اسم «عائلة ضاد» شريراً، ويذكر بحروب العصابات والعداوات التي اجتاحت الشوارع المظلمة لمدينة نيويورك الأمريكية في السابق، والتي كان فن الشوارع بالنسبة لها بمثابة خلفية.
وبعيداً عن هذا الاعتقاد، اجتاحت هذه المجمــوعة الشابة والموهــوبـــة التي تضــم خمســـة من فناني الشوارع –وهم ضــياء رامبــو وعبد العزيز حسن وعبد العزيز زي سعد ونوس 13 دي وجيو 12- شوارع مدينتي جدة والرياض بالسعوديـــة من خلال أعمـــالهم الرائعـــة والغنية في فن الجرافيتي.
وقال عبد العزيز سعد: «نحن جميعاً فنانو جرافيتي وقابلنا بعضنا البعض في مهرجانات ومسابقات فنون الشوارع التي تُنظم هنا. تكونت عائلة ضاد العام 2009 ومنذ ذلك الحين نجحنا في نقل فن الشوارع إلى مستوى آخر تمامًا، إذ نعمل الآن كفنانين مفوضين ونتولى تنفيذ مشروعات خاصة ومشروعات فنية تجارية في أغلب الأحيان، بالإضافة إلى الرسم على الجدران».

وأضاف قائلًا: «يملك كل منّا أسلوبه الخاص، وتشمل هذه الأساليب أنماط حروف الكتابة الرائجة، والتصميمات الهندسية المجردة، والكاليجرافيتي، وحتى الكتابة بالحروف الإنجليزية الأنيقة».

العام 2013، افتتحت العائلة متجر ضاد وأصبحوا الموزعين الوحيدين لأدوات الجرافيتي الشهيرة «مونتانا كانز جيرماني» في البلاد. تلعب المجموعة دورها أيضًا في نشر المعرفة من خلال ورش العمل والدورات التدريبية المخصـصــة للشباب المتحمـــس والحريص على تعلم هذا الفن.

حروف أنيقة

يقيم فنان الشوارع «Sya One» في مدينة دبي منذ 11 سنةً، حيث تزين رسوماته جدران كل الأماكن المسموح بها في دبي تقريبًا «بما فيها جدران المجمع السكني الذي يقع به منزله الخاص»، ويرى أن الانتشار الواسع للحركة الفنــية والجهــود المضـــنية وراءها هما سبب شعبية أعمال الجرافيتي. وبصفته رسام إعلانات تجارية ويملك خبرة أكثر من 25 عاماً، يضم معرض أعمال Sya أيضاً مجموعة مثيرة للإعجاب من الرسوم المتحركة والأعمال التجارية الخاصة.
وقال Sya: «أرسم من أجل المتعة وعندما يتسبب ذلك في إسعاد الآخرين، أشعر كأنني أرد الدين للمجتمع. الجرافيتي شغف وليس موضة».

تسلق جدران جديدة

يقدم محمد أبو حكمه نفسه بصورتين مختلفتين؛ فهو «مو» مصمم الجرافيك في النهار و»مونستاريم» فنان الشوارع في الليل.

يملك محمد –الذي يتميز بطوله وملابسه الملائمة لطبيعة الشارع- كل مواصفات فنان الشوارع المبتكر، ولم تكن رحلته من ولاية فيلادلفيا الأمريكية إلى الكويت مختلفة كثيرًا عن ذلك.

وقال محمد ضاحكاً: «بدأت الرسم على الجدران لأول مرة عندما كنت في الثالثة عشرة من عمري. كنت أخرج بصحبة هذه «العصابة» إلى شوارع فيلادلفيا. لم تكن عصابة لتجارة المخدرات أو ارتكاب أعمال عنف، بل كانوا جميعًا من فناني الشوارع. كان أول توقيع لي هو «يلا فيش»، ورسمت قنديل البحر الصغير ذلك والذي بدا في الحقيقة مثل فِطر مع خطوط عليه».
واليوم يُعد محمد واحداً من أشهر فناني الشوارع وأكثرهم تنوعاً في الكويت، ويحقق نجاحات عديدة –إذ يملك علامته التجارية الخاصة في صناعة أزياء مقتبسة من فن الجرافيتي وتُدعى «مونستاريم»، التي بدأت العام 2013، ومطعم يُدعى «سلوبي موز»، بالإضافة إلى تنظيمه فعاليات فردية برعاية شركات كبيرة مثل ريد بول وفيليب موريس، ويُعد أيضاً «شقيقاً أكبر للعصابة».
وقال محمد: «أبلغ من العمر 37 عاماً، وأنا أقدم فنان شوارع في الكويت على الأرجح. عندما انتقلت إلى الكويت، بدأت كمصمم جرافيك في صحيفة مطبوعة ولكنني أدركت شيئًا فشيء أنني يجب أن أعمل بمفردي؛ وهكذا وُلدت العلامة التجارية مونستاريم».
كان حب المساحات الواسعة والأماكن المفتوحة هو الذي شجع محمد على البحث عن الجدران في الكويت. كانت أعمال محمد الفنية على الجدران مجهولةً في بادئ الأمر وتحمل فقط شعار «مونستاريم». وبعد وقتٍ قصيرٍ، أصبح الشعار مألوفًا بين الفنانين وعشاق الفن الذين أبدوا إعجابهم بأعمال محمد.
وقال محمد: «يُعد كل جدار تقابله بمثابة تحدٍ جديدٍ، ويمنحك بُعدًا جديدًا تمامًا للعمل في كل مرة، مع النتوءات والشقوق الجديدة. ولهذا السبب لا يمكنك أبدًا أن تعتبر نفسك محترفًا في فن الشوارع. أنت جيد فقط بقدر جودة آخر جدار رسمت عليه- هذا هو شعاري».

إعادة أجواء الستينيات

تتولى فاي الحمود مهمةً فريدةً من نوعها؛ وهي توثيق ونشر فن الشوارع في الكويت. كان حب فاي –مؤسسة صفحة انستجرام الشهيرة Q8StreetArt والشريكة المؤسسة لمجلة Kingdome.co- للسفر والفن هو ما ساعدها في ملاحظة الأعمال الفنية على الجدران.

وقالت فاي: «في البداية كنت مهتمة كثيرًا بالتصوير الفوتوغرافي، وخاصـــةً التصـــوير في الشارع. أميل للسفر كثيرًا؛ وبالتالي يمكن أن ألتقط صوراً عشوائية للناس في الشارع وهو ما لفت انتباهي إلى فن الشوارع والجرافيتي، ووقعت في غرامه فورًا. شعرت بالفضول لمعرفة المزيد عن هذا الفن وسافرت إلى أماكن مثل لندن وأمستردام وماليزيا وبلجيكا- ولاحظت أنماط وأشكال وأساليب مختلفة».
وعندما عادت، شـــعرت فاي أن هناك شيئاً ما كان ناقصاً في المشـــهد الفني بالكــويت؛ وهو أنه لا يوجد أحد يوثقه.

وقالـــت فاي: «شعرت بالحــاجـــة إلى أن نُظهر للعـــالـــم أن الكويت ليســت فقط الحروب والســياسة؛ فهناك أشياء أخرى تحدث هنا أيضًا. قديمًا، كانت الكويت مركز الثقافة والفنون بالمنطقة، إذ زار الفنان الأمريكي أندي وارهول منطــقة الشرق الأوسـط حيــنها فقط من أجل زيارة الكويت».
وأضافت قائلةً: «بعد الحرب، بدأت الأشياء تموت ببطء. آمل أن نتمكن من إحياء المشهد الثقافي من جديد وأنا سعيدة بتأدية دوري تجاه ذلك».