ريكاردو هوسمان
إن الأزمة الفنزويلية تتحرك بلا هوادة من وضع كارثي إلى وضع لا يمكن تصوّره؛ فمستوى البؤس والمعاناة الإنسانية والدمار قد وصل إلى الحد الذي يجعل المجتمع الدولي يُعيد التفكير بكيفية تقديم المساعدة.
لقد حذّرت قبل سنتين من حصول مجاعة في فنزويلا تشبه المجاعة التي حصلت في أوكرانيا سنة 1932-1933 والتي تُعرف باسم هولومودور. لقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 17 ديسمبر صورا على صفحتها الأولى تتعلق بهذه الكارثة التي هي من صنع الإنسان.
لقد وصفت في يوليو الطبيعة غير المسبوقة للكارثة الاقتصادية في فنزويلا حيث قمت بتوثيق انهيار الإنتاج والدخول ومستويات المعيشة والصحة وربما كانت أكثر إحصائية من الإحصائيات التي ذكرتها دلالة هي تلك المتعلقة بالحد الأدنى للأجور (الأجر الذي يكسبه العامل في المتوسط) والذي يتم قياسه على أساس أرخص السعرات الحرارية المتوفرة والذي انخفض من 52854 من السعرات الحرارية يوميا في مايو 2012 إلى 7500 من السعرات الحرارية فقط في مايو 2017 -أي لا يكفي لإطعام عائلة تتكوّن من خمسة أفراد.
منذ ذلك الوقت تدهورت الظروف بشكل دراماتيكي وبحلول الشهر الماضي انخفض الحد الأدنى للأجور إلى فقط 2740 سعرة حرارية باليوم كما أن هناك انخفاضا في العرض فيما يتعلق بالبروتينات علما أن اللحوم من أي نوع شحيحة لدرجة أن سعر السوق لكيلوجرام من اللحوم يعادل عمل أسبوع على أساس الحد الأدنى للأجور.
لقد ساءت الأوضاع الصحية كذلك بسبب نقص التغذية وقرار الحكومة عدم توفير حليب الرضع واللقاحات الاعتيادية ضد الأمراض المعدية والأدوية لمرضى الإيدز وزراعة الأعضاء والسرطان وغسيل الكلى بالإضافة إلى المستلزمات العامة للمستشفيات علما أنه ابتداءً من 1 أغسطس زاد سعر الدولار الأمريكي الواحد صفرا إضافيا وتجاوز التضخم 50% شهريا منذ سبتمبر.
طبقا لأوبك انخفض إنتاج النفط بنسبة 16% منذ مايو أي أن الإنتاج انخفض بمقدار يزيد عن 35 ألف برميل يوميا حيث لم تجد حكومة الرئيس نيكولاس مادورو من أجل وقف الانخفاض فكرة أفضل من اعتقال حوالي 60 من كبار المديرين في شركة النفط التي تملكها الدولة بدفسا وتعيين جنرال من الحرس الوطني لا يمتلك أي خبرة في هذه القطاع من أجل إدارة الشركة.
عوضا عن اتخاذ خطوات من أجل إنهاء الأزمة الإنسانية، تستخدم الحكومة تلك الأزمة من أجل تعزيز سيطرتها السياسية حيث رفضت الحكومة عروض المساعدة وصرفت مواردها على أنظمة صينية للتحكم بالحشود ذات طابع عسكري بهدف إحباط الاحتجاجات العامة.
إن العديد من المراقبين الأجانب يعتقدون بأنه بينما يتدهور وضع الاقتصاد ستفقد الحكومة السلطة ولكن المعارضة السياسية المنظمة هي أضعف الآن مقارنة بوضعها في يوليو رغم الدعم الدبلوماسي الدولي الهائل ومنذ ذلك الوقت قامت الحكومة بتنصيب جمعية تأسيسية غير دستورية بصلاحيات كاملة وألغت تسجيل ثلاثة أحزاب رئيسية للمعارضة وقامت بفصل رؤساء البلديات المنتخبين ونوابهم بالإضافة إلى سرقة ثلاثة انتخابات.
نظرا لكون جميع الحلول إما غير عملية أو غير مجدية أو غير مقبولة، يتمنى معظم الفنزويليين حصول معجزة ما لإنقاذهم من هذه المأساة. إن السيناريو الأفضل هو انتخابات حرة وعادلة من أجل اختيار حكومة جديدة علما أن هذه هي الخطة (أ) بالنسبة للمعارضة الفنزويلية التي نظمت نفسها على شكل ائتلاف يدعى الطاولة المستديرة للوحدة الديمقراطية حيث تسعى المعارضة لإجراء تلك الانتخابات خلال محادثات تعقد حاليا في جمهورية الدومنيكان.
لكن من السذاجة الاعتقاد بأن نظاما مستعدا لتجويع ملايين الأشخاص من أجل البقاء في السلطة سيتنازل عن السلطة من خلال انتخابات حرة؛ ففي أوروبا الشرقية في الأربعينيات قامت الأنظمة الستالينية بتعزيز سلطتها رغم خسارتها للانتخابات. إن حقيقة أن حكومة مادورو قامت بسرقة ثلاثة انتخابات سنة 2017 وحدها ومنع المشاركة الانتخابية لأحزاب تتفاوض معها رغم الاهتمام الدولي يوحي بأن من غير المرجح تحقيق أي نجاح.
إن العديد من السياسيين الديمقراطيين لا يستسيغون فكرة انقلاب عسكري محلي لإعادة الحكم الدستوري بسبب خوفهم من أن الجنود قد لا يعودوا إلى ثكناتهم لاحقا لذلك والأهم من ذلك أن نظام مادورو هو بالفعل دكتاتورية عسكرية حيث يوجد ضباط على رأس العديد من الدوائر الحكومية. إن كبار ضباط القوات المسلحة هم فاسدون حتى النخاع حيث انخرطوا لسنوات في التهريب وجرائم تتعلق بالعملات والمشتريات بالإضافة إلى تهريب المخدرات والقتل خارج إطار القانون علما أنه حسب عدد السكان فإن القتل خارج إطار القانون في فنزويلا منتشر أكثر بثلاثة أضعاف مقارنة بالفلبين إبان حكم الرئيس رودريجو دويتيرتي، ولقد قام كبار الضباط المحترمين في فنزويلا وبإعداد كبيرة بتقديم استقالاتهم. إن هذا يتركنا مع خيار التدخل العسكري الدولي وهو حل يخيف معظم حكومات أمريكا اللاتينية بسبب تاريخ من الأعمال العدائية ضد مصالحها السيادية وخاصة في المكسيك وأمريكا الوسطى ولكن هذه قد تكون مقارنات خاطئة من الناحية التاريخية؛ ففي واقع الأمر اكتسب سيمون بوليفار لقب محرر فنزويلا بفضل الغزو الذي جرى سنة 1814 والذي نظّمته وموّلته دولة نويفا جرانادا المجاورة (حاليا تدعى كولومبيا) كما لم يكن بإمكان فرنسا وبلجيكا وهولندا تحرير أنفسها من نظام قمعي بين سنة 1940 و1944 بدون تدخل عسكري دولي.
إن الأبعاد واضحة؛ فبينما يصبح الوضع الفنزويلي لا يمكن تصوّره فإن الحلول التي يمكن النظر فيها تقترب من الاستحالة فالجمعية الوطنية المنتخبة حسب الأصول والتي تمتلك المعارضة فيها غالبية الثلثين قد تم تجريدها من سلطاتها بشكل غير دستوري من قِبل المحكمة العليا المعينة بشكل غير دستوري كما استخدم العسكر سلطتهم من أجل قمع الاحتجاجات وإجبار العديد من القادة بمن فيهم قضاة المحكمة العليا الذين تم انتخابهم من قِبل الجمعية الوطنية في يوليو على الخروج للمنفى.
بالنسبة للحلول، لماذا لا ننظر في هذا الحل: يمكن للجمعية الوطنية أن تخلع مادورو عن الحكم بالإضافة إلى نائب الرئيس الذي يواجه عقوبات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي والمتهم بتهريب المخدرات طارق العيسمي علما أن أصول تزيد قيمتها عن 500 مليون دولار أمريكي تعود لطارق العيسمي قد تمت مصادرتها من قِبل الحكومة الأمريكية. طبقا للقانون الدولي فإن مثل هذه القوة العسكرية لن تتطلب موافقة مجلس الأمن الدولي (حيث يمكن أن تستخدم روسيا والصين الفيتو) وذلك نظرا لأن القوة العسكرية ستتم دعوتها من قبل حكومة شرعية تسعى للحصول على الدعم من أجل تأييد دستور البلاد. إن وجود مثل هذا الخيار يمكن أن يدعم آفاق المفاوضات الحالية في جمهورية الدومنيكان. إن تفجر الأوضاع في فنزويلا لا يخدم المصلحة الوطنية لمعظم البلدان علما أن الظروف هناك تشكل جريمة ضد الإنسانية والتي يجب وقفها على أساس أخلاقي. لقد نتجت عن فشل عملية «ماركت جاردن» في سبتمبر 1944 والتي تم تخليدها في كتاب وفيلم «الجسر البعيد جدا» مجاعة في هولندا في شتاء سنة 1944 -1945 واليوم فإن المجاعة الفنزويلية هي أسوأ من تلك المجاعة فكم حياة يجب أن تدمر قبل أن يأتي الإنقاذ؟
وزير التخطيط السابق في فنزويلا وكبير الاقتصاديين السابق في بنك التنمية للقارة الأمريكية