دائرة «البحر الأحمر» حبلى بالمفاجآت

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠٤/يناير/٢٠١٨ ٠٣:٥٤ ص
دائرة «البحر الأحمر» حبلى بالمفاجآت

علي ناجي الرعوي

ظل البحر الأحمر منذ زمن موغل في القدم مسرحا لصراع القوى العظمى التي تتنافس على النفوذ والسيطرة؛ فبعد الحرب العالمية الثانية دخلت الولايات المتحدة باعتبارها الوريث للامبراطورية الرومانية والاتحاد السوفييتي بوصفه الامبراطورية الجديدة التي حلّت محل الامبراطورية الشرقية القديمة على إيقاع هذا الصراع حيث سعى كل منهما إلى فرض هيمنته على منافذ البحر الأحمر الذي يكتسب أهميته الاستراتيجية من موقعة الجغرافي المؤثر في العلاقات الدولية لكونه الذي يربط قارات العالم القديم الثلاث: آسيا وأفريقيا وأوروبا، فضلا عن أنه يعدّ من أهم طرق الملاحة البحرية في العالم ومن أسرع الممرات بين الشرق والغرب وتضاعفت أهمية البحر الأحمر بشكل أكبر بعد افتتاح قناة السويس في العام 1869م مما جعل منه نقطة التقاء محورية بين البحر المتوسط والمحيط الهندي.

وعلى مدى مراحل تاريخية متعاقبة فقد استمر الصراع والتنافس على البحر الأحمر محتدما ومحموما بين تلك القوتين الدوليتين إلى درجة أصبح معها هذا الممر المائي من أخطر الساحات المرشحة للتصادم إذ إن ذلك الصراع قد انتقل في أعقاب حرب العام 1967م والتي استُخدم فيها النفط العربي كسلاح سياسي من طوره البارد إلى الطور الساخن حيث شعرت الولايات المتحدة حينها بأن كفة نفوذها في هذه المنطقة الحيوية قد اهتزت تحت تأثير حالة الاستقطاب بين المحوريين وأن منافسة خصمها اللدود قد دخلت فصلا جديدا من فصول تقاطع المصالح وذلك بعد أن نجح الاتحاد السوفييتي محمولا على الأفكار والتنظيمات اليسارية بالتغلغل في بعض بلدان المنطقة الأمر الذي دفع بالولايات المتحدة إلى المسارعة في منع سقوط اليمن الشمالي في يد الاشتراكيين من أنصار الاتحاد السوفييتي الذين كانوا قد سيطروا على الحكم في اليمن الجنوبي مطلع سبعينيات القرن الماضي ولم يكن التحرك الأمريكي نحو اليمن الشمالي من أجل النهوض به ولكن بهدف الإبقاء عليه كخط فاصل بين المد الاشتراكي الثوري القادم من الجنوب وبين منطقة الخليج حيث المصالح النفطية للولايات المتحدة.

وفيما تفادت الولايات المتحدة أي صدام مع الجانب السوفييتي الذي أصبح يمتلك حضورا عسكريا في اليمن الجنوبي وإثيوبيا سمح له بالإطلالة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب الذي يصل ذلك البحر بخليج عدن فقد عمدت واشنطن إلى منح الكيان الإسرائيلي دورا أمنيا في هذه المنطقة لما من شأنه تطويق النفوذ السوفييتي إلى أدنى حد ممكن في منطقة البحر الأحمر ولم تتوقف الخطوات الأمريكية عند ذلك وإنما بادر الرئيس جيمي كارتر إلى الانفكاك من التوازي المتكرر مع الموقف السوفييتي بإنشاء قوات الانتشار السريع التي خصصت للعمل في الخليج والبحر الأحمر تحت إمرة القيادة المركزية الأمريكية لتؤكد واشنطن بذلك أن نفوذها في البحر الأحمر لا ينفصل عن مجمل المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.
لم تتغيّر سردية التنافس والصراع على البحر الأحمر كثيراً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بكامل قوامه الاستراتيجي على مستوى العالم ففي حين كانت التوقعات تميل نحو تراجع هذا الصراع بعد تحول العالم إلى نظام أحادي القطبية بقيادة الولايات المتحدة جاءت كل الوقائع التي جرت بعد سقوط معادلة التنافس بين القطبين لتوحي بغير ذلك فقد اعتبرت العديد من القوى الدولية والإقليمية الناهضة والصاعدة أن سقوط تلك المعادلة قد ترك فراغا ولا بد من استغلاله واستثماره من قِبلها فاتجهت تلك القوى إلى تقاسم نفوذ الامبراطورية المنهارة في منطقة البحر الأحمر لتبدأ فعليا عملية عسكرة هذا البحر عن طريق التأسيس لقواعد عسكرية على شاطئيه الآسيوي والأفريقي بشكل لافت ومخيف ينذر بتحوّله إلى بؤرة مركزية لصراع إقليمي ودولي منفلت من أية ضوابط أو كوابح.
ومما تقدم يتضح تماما أن تصاعد وثيرة التنافس والصراع على البحر الأحمر الذي تتشارك في مياهه من ناحية الشمال والشرق اليمن والسعودية والأردن وفلسطين المحتلة ومن الغرب مصر والسودان وإريتريا وجيبوتي والصومال لم يكن مفاجئا أو طارئا وإنما هو نتاج تفكك وانهيار المنظومة العربية التي تبدو غائبة أو غير موجودة على أرض الواقع وهو ما شجّع الآخرين على التدافع والهرولة صوب هذا البحر الذي كان يوصف ذات يوم بأنه (بحيرة عربية) وأنه جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي ومن الطبيعي في ظل هذه الحالة أن يصبح هناك صراع إقليمي ودولي على وشك الاحتدام حول هذا الممر الحساس وعلى النحو الذي قد يؤدي إلى قيام استقطابات وتحالفات تتنازع السيادة عليه وتهدد سلامته واستقراره.
مياه كثيرة تدفقت على البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة فهناك في جيبوتي زحمة قواعد عسكرية حيث توجد قاعدة فرنسية وأخرى أمريكية وثالثة صينية ورابعة يابانية وأعداد جديدة هي قيد الإنشاء عوضا عن قوة المهام المشتركة التي شكّلها الاتحاد الأوروبي والمعروفة بالعملية الأوروبية لمكافحة القرصنة (اتلانتا) بمشاركة ثماني دول هي: ألمانيا وبلجيكا وإسبانيا وفرنسا واليونان وهولندا وبريطانيا والسويد، وفي نفس المعركة على سيادة البحر الأحمر لم تكن إسرائيل في منأى عمّا يجري من أحداث في إطار هذه المعركة بل إنها ومنذ التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد استطاعت أن تجد لنفسها أكثر من موقع عسكري بين قاعدة بحرية وأخرى استخبارية في إريتريا ذات الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر والقريبة من باب المندب والقرن الأفريقي.
ليست إسرائيل وحدها التي باتت رقما صعبا ومقررا في البحر الأحمر بل ثمة دول إقليمية صار لها موطئ راسخ في البحر الأحمر؛ فتركيا من جانبها أصبحت هي الأخرى حاضرة في سباق القواعد العسكرية حيث افتتحت أنقرة أكبر قاعدة عسكرية لها في الصومال وتطمح إلى بناء قاعدة ثانية في جزيرة سواكن السودانية المطلة على البحر الأحمر، ولا نظن أيضا أن إيران بعيدة عن المشهد بالنظر إلى أنها من تعتبر البحر الأحمر موقعا حيويا لبسط نفوذها في المنطقة، كما أن الروس الذين دخلوا الحرب في سوريا وبين أهدافهم تأمين قاعدتهم على الشواطئ السورية على البحر المتوسط في طريقهم إلى إيجاد قاعدة لهم على سواحل البحر الأحمر وذلك بعد أن حصلت موسكو على موافقة من الرئيس السوداني لبناء هذه القاعدة العسكرية في بور سودان.
شيء ما يجري على عجل حول منطقة البحر الأحمر، وقد نستيقظ ذات صباح على واقع مختلف عمّا ظللنا نراه لسنوات خلت في هذه المنطقة التي أضحت تحت قبضة أطراف دولية وإقليمية تتنازع على النفوذ وتحمل أجندة توسعية، وربما يكون هذا البحر مقبلا على السيناريو الأسوأ وهو بلا شك سيكون حافلا بالمفاجآت في ظل غياب أي تفسير لتلك الهرولة الإقليمية والدولية نحو مدخليه الشمالي والجنوبي في تهافت غير مسبوق وغير مفهوم على الإطلاق يجعل من هذه المنطقة حبلى بالكثير من المفاجآت.