مرتضى بن حسن بن علي
ظلت الخلافات السياسية المتعددة وتنازع الرأي والمصالح المتعارضة هي سيدة الموقف طوال مسيرة تجربة المجلس معرقلة أية إنجازات حقيقية. بعض هذه الخلافات كانت تنفجر بين فترة وأخرى بينما بقت الأخرى غير معلنة. وقد أشارت إليها الصحف الغربية كما أن تسريبات «ويكي ليكس» أماطت اللثام عن بعضها الآخر.
لم تنجح دول المجلس في إيجاد صيغ وسبل التعاون والتنسيق والتكامل فقط، وإنما أيضا فإن بعضها أخفق على مستوى كل دولة على حدة من تحقيق التنمية المجتمعية الحقيقية الشاملة والمستدامة رغم تدفق ثروات خيالية عليها كانت كافية لإنشاء إمبراطوريات.
وكنتيجة لذلك فقد ساد الشعور العام بالضعف قياسا على معايير القوة المالية التي امتلكتها. أخفقت دول المجلس أن تحول القوة المالية الضخمة التي كونتها إلى قوة اقتصادية وقوة إنتاجية حقيقية. والتباين الشديد في مصادر القوة المالية الناتجة من تسييل النفط بين الدول الأعضاء انعكس على العلاقات البينية بينها ونظرة بعضها إلى الأخرى وأثر ذلك على توجهات كل دولة إلى الخارج، سواء في الدائرة العربية أو الإقليمية أو الدائرة العالمية وبالتالي أثر في شكل ومضمون السلوك الخليجي المحلي والعربي والإقليمي. سمة الشعور بالضعف الداخلي سواء قبل إنشاء المجلس أو بعده رسخ سياسات التوجه الاجتماعي في دولة وسياسات «استيراد الأمن» مع التركيز في ذلك بشكل واسع النطاق على الدائرة العالمية بواسطة القوى الخارجية على حساب الدائرة الخليجية والعربية والإقليمية. ومع التخلي عن الأسس الحاكمة للفكر الاستراتيجي للعمل، اختلفت التقييمات وتعارضت التقديرات. لم تتبنَ دول الخليج الستة إجراءات موحدة تجاه قضايا عديدة ومنها المشكلات الإقليمية القائمة. اتسعت مساحة التباين والاختلاف لتشمل قضايا عديدة ومتنوعة منها قضايا العراق مصر وسوريا والموقف من إيران وملفها النووي ومجمل العلاقة مع طهران، إضافة إلى إسرائيل وطريقة إدارة الصراع معها أو الموقف من الخلافات الفلسطينية المتفاقمة.كل الأزمات التي مرت بها المنطقة أظهرت انكشاف الخليج تماماً. وكانت تلك فرصة تعطي أملاً لانتباه الخليج لمشاكله الداخلية والاقتراب من علاج ضعفه. ولكن رغم كل ذلك لم يتم بل إن التجربة تعرضت لعملية إجهاض. وكان ذلك محزناً. ولكن أكثر مدعاة للحزن أن العملية أريد إخفاؤها عن كل هؤلاء الذين كانوا ينتظرون موعد قيام مجلس دول تعاون خليجي حقيقي ووعده. لم ينتبه لعملية الإجهاض كثيرون أو لم يكن بمقدور احد أن يتجرأ ويصارح بما حصل أو ما هو حاصل. ومنطقة الخليج -مثل المنطقة العربية- تعاملت مع أقدارها على مستوى أدنى بكثير مما كان في قدرتها، والنتيجة أن الخليج بما فعله أو لم يفعله أوصل نفسه بنفسه إلى حالة وحافة منطقة خطرة.
كانت وسائل الإعلام المختلفة تغني ليل نهار بالإنجازات الضخمة التي كانت حتى على الورق ناقصة. وكان على الوهم أن يعوض الفجوة بين الواقع والمتوقع. لم يعترف المجلس أن الإجهاض قد تم وذلك من أجل استبقاء الأوهام والأحلام. وبدأت السياسات لإدارة العمليات تدار من خلف الستار. كان صعباً الاعتراف أن الأهداف والتحالفات قد تغيرت تماماً كما كان صعباً الاعتراف أن انقلابا قد حدث على تلك الأهداف. وهكذا بدأ العمل السري لإدارة الانقلاب يمارس من تحت الأرض. وكان ذلك خطراً لأنه انزل بمطالب السياسة وبمستواها وأثر على هيبتها وأهدافها. وكل ذلك جعل معظم السياسات الخليجية متوجسة داخل أوطانها ومرتهنة خارجها! وتحالف المصالح الجديدة التي قامت تشابكت في هذه الأوضاع، كان في عجلة من أمره ومستندا على ثروة من عوائد النفط تدفقت أموالاً سائلة.
زادت الأوهام مثلما تزيد جرعة المخدر مع طول استعماله. فما بدا مهدئا إعلاميا ما لبث أن تحول إلى أدمان سياسي، إلى حالة من الازدواجية وصلت الى درجة الانفصام في الشخصية. وكانت الشعارات ترفع يصاحبها في الواقع زيادة الفجوة بين ما تردده الألسن ووسائل الإعلام ومع ما يجري على ارض الواقع. ولأن الأوهام غلالات رقيقة فكان لا بد أن تظهر فجوات تركز الضوء على ما هو واقع من الخلافات العميقة التي تحدثنا عن بعضها.
في مدينة المنامة وفِي «منتدى حوار المنامة» في شهر ديسمبر 2013 وأثناء الجلسة الافتتاحية الأولى تأكد أن كل الشعارات عن الاتحاد الخليجي المرتقب الذي تولى عموم الإعلام الخليجي مهمة تلوينه وإضاءته، كان وهما. خرج صوت معالي يوسف بن علوي بن عبدالله واضحاً صريحاً ومن دون غموض أو لف أو دوران، أثناء مشاركته في تلك الندوة الحوارية وفاجأ الجميع عندما وقف وسط الحضور رافضاً بكل وضوح قيام الاتحاد بدون أن تنضج الظروف وأوضح الوزير العُماني موقف بلاده من تشكيل الاتحاد الخليجي قائلاً: «لسنا مع الاتحاد الخليجي إطلاقاً، ولكن إذا حصل الاتحاد فنحن جزء من المنطقة وسنتعامل معه، وموقف عُمان في هذا الإطار واضح»، مؤكداً في تصريحات لاحقة أن بلاده لن تقف موقفاً سلبياً من الاتحاد في حال تشكيله، ولكنها لن تنضم إليه. كما أن الوزير العماني يوسف بن علوي، قال في مداخلته التي أثارت ردود فعل متباينة: «لا نريد الدخول في صراعات لا مع القريب ولا مع البعيد، ولا يمكن أن نعود للقرن الماضي، وينبغي علينا أن ننأى بمنطقتنا عن الصراعات الدولية». ثم ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، وهدد علانية، في تصريحات لوكالة الصحافة الفرنسية، بانسحاب بلاده كلياً من مجلس التعاون الخليجي، إذا ما تقرر قيام هذا الاتحاد. وهكذا تبدد الوهم وانسحط الحلم.ونالت عمان ما نالت من تجريح وقذف وهجوم. بعد كل الحديث عن الاتحاد في ندوة «المنامة» سرعان ما انفجرت أزمة أخرى مع قطر من جهة والسعودية والإمارات والبحرين من جهة أخرى بعد توقعات أن تتحسن علاقات قطر مع جاراتها بعد تنازل الشيخ حمد عن الحكم لصالح ابنه الشيخ تميم في العام 2013 وانتهاج الأمير الشاب الجديد سياسة خارجية تختلف عن السياسة السابقة.وفي أعقاب إطاحة الجيش المصري بالرئيس المصري محمد مرسي العام 2013 تم استدعاء الأمير الجديد إلى السعودية وتم إبلاغه على ضرورة انتهاج سياسات تتوافق مع سياسات «مجلس التعاون الخليجي» إزاء القضايا الإقليمية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول المجلس. ولاحقا في العام 2014 استدعت السعودية والبحرين والإمارات سفراءها لدى الدوحة لمدة تسعة أشهر متهمة تدخل قطر في الشؤون الداخلية لهذه الدول، في إشارة إلى خطب الشيخ يوسف القرضاوي واستضافة الدوحة عدداً من أعضاء جمعية الإصلاح الإماراتية المقربة من الإخوان المسلمين والمحظورة في الإمارات وموقف الدوحة في التعامل مع الأحداث العربية المتفجرة المتتالية، إضافة إلى أنشطة قناة الجزيرة. ولم ترجع العلاقة إلا بعد جهود حثيثة بذلتها كل من عمان والكويت للتهدئة والمصالحة بين الأطراف المتخاصمة.
appleorangeali@gmail.com