
خورخي كاستانيدا
في هندرواس تعتبر الانتخابات المسروقة وما يتبعها من اتهامات بالتزوير ومظاهرات الشوارع والقمع العسكري من الأمور الاعتيادية وعليه لم يكن من الغريب عندما أدت الانتخابات الرئاسية في أواخر نوفمبر والتي تخللها العديد من التجاوزات في عد الأصوات الى جميع تلك الأمور الثلاثة ولكن من المحتمل أن يكون لعواقب ما حصل في هندوراس صدى في طول أمريكا اللاتينية وعرضها.
لقد تسببت عقود من التدخل الأجنبي في هندوراس في المعضلة الحالية التي تواجه البلاد فمند سنة 1903 الى سنة 1925 واجهت هندوراس تدخلات عسكرية مستمرة من قبل القوات الأمريكية وفي الثمانينات وفي خضم الجهود العنيفة المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية إلى تغيير النظام في نيكارجوا المجاورة، تم تحويل هندوراس إلى ما يطلق عليه العسكر على سبيل المزاح «حاملة الطائرات الوحيدة في العالم الموجودة على البر» واليوم تعتبر هندوراس نقطة عبور مهمة للمخدرات التي يتم شحنها من أمريكا الجنوبية إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
لكن في السنوات الأخيرة، كانت هناك جهود من قبل القوى الأجنبية للعب دور بناء بشكل أكبر وعلى وجه الخصوص التزم الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بأن يجعل الولايات المتحدة تنحي جانباً عقوداً من الاتهامات المتبادلة مع جاراتها في أمريكا اللاتينية حيث قام بتسهيل تطوير نظام يشمل دول قارة أمريكا يتعلق بالدفاع المشترك عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.
لقد وصلت تلك الجهود ذروتها عندما تم تطبيع العلاقات مع كوبا سنة 2016 مما يعني أنه لم يكن هناك أي سبب قد يجعل جميع البلدان في نصف الكرة الأرضية لا تتفق على استخدام الأدوات التي تم عملها منذ سنة 1948 للدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة بغض النظر عن الاعتبارات السياسية قصيرة المدى.
إن الأدوات القانونية الرئيسية الإقليمية هي معاهدة بوجوتا لسنة 1948 والتي أنشأت منظمة الدول الأمريكية ومعاهدة سان خوزيه أو الميثاق الأمريكي لحقوق الإنسان والذي أدى لنشوء مفوضية القارة الأمريكية لحقوق الإنسان ومحكمة حقوق الإنسان للقارة الأمريكية والميثاق الديمقراطي للقارة الأمريكية لسنة 2011 وهناك أيضا إجراءات منظمة الدول الأمريكية منذ فترة طويلة نسبياً بإرسال بعثات مراقبة للانتخابات والتي عادة ما تكون بقيادة رؤساء أو وزراء خارجية سابقين من أجل مراقبة التصويت في بلدان مختلفة.
وبينما ليست كل الدول هي دول موقعة على الأدوات القانونية أعلاه، إلا أنها كانت معاً على مر الوقت أدوات مفيدة وإن كانت منقوصة من أجل دعم القضايا المتعلقة بتلك الأدوات ولكن الوضع الحالي في هندوراس يعتبر اختباراً حاسماً ثانياً للنظام الذي تشمله تلك الأدوات –إن الاختبار الأول كان شبه الانقلاب الذي أطاح بالرئيس آنذاك مانويل زيلايا سنة 2009 -وما سيحصل الآن إما سيضفي الشرعية على الآليات التي تم إنشاؤها أو سيضعفها بشكل كبير.
لقد قامت بعثة لمنظمة الدول الأمريكية وأخرى من الاتحاد الأوروبي بمراقبة الانتخابات في نوفمبر وفي اليوم التالي لعملية التصويت وعندما تم تسجيل الأصوات الواردة من 57% من مراكز الاقتراع وكان مرشح المعارضة سلفادور نصر الله يتصدر الانتخابات بنسبة تزيد عن 5% توقف عد الأصوات فجأة حيث طلبت البعثتان بالإضافة إلى المعارضة إعادة عد كلي أو جزئي للأصوات ولكن لم تظهر تلك الجهات الكثير من العزم والإصرار منذ تلك الفترة.
لقد أصرت السلطات الانتخابية في هندوراس خلال فترة الأسبوعين بعد التصويت بأن الرئيس الحالي خوان أورلاندو هيرناندز قد فاز بالانتخابات بفارق 1،5 % (غير محتمل من الناحية الإحصائية) بسبب زيادة مفاجئة في عدد الأصوات التي جاءت لصالحه من المناطق الريفية ومن أجل التعامل مع تلك الشكاوى قامت السلطات بإجراء إعادة عد جزئية لأقل من ثلث أوراق الاقتراع مما أدى إلى تعديل النتيجة النهائية ولكن بشكل لا يكفي لتغيير انتصار هرناندز وبتاريخ 15 ديسمبر قامت تلك السلطات بالإعلان الرسمي عن فوز هرناندز.
لقد شجبت بعثة الاتحاد الأوروبي الخدع الانتخابية لحكومة هرناندز ولكنها ذكرت كذلك أن إعادة العد والمقارنات بين أوراق العد والبيانات الموجودة على الحاسوب لم تظهر تغييرا كبيرا في النتائج وعليه لم تصادق على النتيجة النهائية أو ترفضها.
على النقيض من ذلك قررت منظمة الدول الأمريكية أنها لا تستطيع أن تقرر من هو المنتصر بين المرشحين المتصدرين ولكن هرناندز رفض مقترح أمين عام منظمة الدول الأمريكية لويس المارجرو لإجراء انتخابات جديدة حيث قال إن على الهندوراسيين الانتظار أربع سنوات أخرى من أجل إجراء انتخابات جديدة. أما دول أمريكا اللاتينية الأخرى بما في ذلك كوستاريكا وجواتيمالا والمكسيك فلم تعترض على النتيجة واعترفت سريعا بانتصار هرناندز وكذلك فعلت الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي الوقت نفسه ما يزال سلفادور نصر الله يصر على أنه هو الذي فاز بالانتخابات ورفض الإقرار بالهزيمة وما تزال الاحتجاجات في الشوارع – ورد الشرطة والجيش على تلك الاحتجاجات- تهز العاصمة والمدن المهمة الأخرى.
لا يوجد منتصرون حقيقيون في خضم هذا الارتباك والمواجهة على الرغم من أن مكاسب البعض أفضل من البعض الآخر. لقد حقق هرناندز هدفه بأن يكون أول رئيس لهندوراس يتم إعادة انتخابه منذ عقود على الرغم من أنه سيجد أن فترة رئاسته ستعاني من ضرر دائم في سمعتها بسبب تقرير بعثة منظمة الدول الأمريكية المتعلق بالتلاعب بالأصوات.
بالإضافة إلى ذلك فإن من المؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية مسرورة بأن الرئيس الهندوراسي يتمتع بصلات وثيقة مع كبير موظفي الرئيس دونالد ترامب جون كيلي وهو من أكبر الداعمين لحرب كيلي على المخدرات في أمريكا الشمالية وعلى النقيض من ذلك فإن سلفادور نصر الله هو مقرب من بوليفيا وكوبا والسلفادور ونيكارجوا وفنزويلا (أي ما تعرف بدول آلبا).
لكن ربما الرابح الأكبر هو الحكومة الشعبوية الراديكالية في فنزويلا والتي تستطيع أن تقضي السنوات الأربع المقبلة في التشكيك بانتخاب هرناندز وفي دعم خصومه حيث ستستفيد من حقيقة أن المارجرو والذي لعب دورا ملحوظا في الترويج للدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في فنزويلا قد تم الآن التشكيك بمصداقيته مما يقوض عملية مراقبة الانتخابات لمنظمة الدول الأمريكية برمتها وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن من المرجح أن يتم التشكيك في الانتخابات في فنزويلا العام المقبل فإن هذه ليست ميزة صغيرة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
مرة أخرى فلقد وقع انتهاك خطير للديمقراطية التمثيلية في أمريكا اللاتينية على الرغم من الأدوات التي تم إنشاؤها في السنوات الأخيرة. إن من المحتمل أنه قد تم سرقة انتخابات غير عادلة وغير حرة أو في أفضل الأحوال شابها مخالفات لدرجة أنه لا يمكن التعويل على نتيجتها. إن من الممكن أن هندرواس دولة صغيرة وفقيرة ولكن تأثيرات هذا الفشل من المرجح أن يكون له آثار بعيدة المدى.
وزير خارجية المكسيك السابق (2000-2003)، وأستاذ متميز عالمياً للعلوم السياسية ودراسات أمريكا اللاتينية بجامعة نيويورك.