عن كتاب «خطابات السلطان»

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٠٣/يناير/٢٠١٨ ٠٤:١٢ ص
عن كتاب «خطابات السلطان»

فريد أحمد حسن

قبل أن يلفظ العام الميلادي الماضي أنفاسه وصلني من الصديق زكريا بن خليفة المحرمي، الطبيب والباحث العماني نسخة من مؤلفه الأخير «خطابات السلطان» فكانت الخاتمة المسك. الكتاب الواقع في نحو 200 صفحة من القطع المتوسط بسيط في مظهره لكنه عميق في محتواه، عمد فيه الباحث إلى «العبارات الفارقة الكثيفة المعاني والمكتنزة بالدلالات التي تمثل خارطة طريق، ومنهج عمل، ومبدأ حياة، وحكما خالدة»، فرزها وصنفها في عناوين «لكي يسهل للقراء والباحثين اكتشاف المبادئ والأسس الفطرية التي أقام عليها السلطان قابوس النهضة العمانية الحديثة».

الدكتور المحرمي وفر في مقدمة الكتاب قصة عمان؛ التاريخ والحضارة، ونفوذها في فترات طويلة من التاريخ، ثم كيف كانت تعاني من ما وصفه بثالوث الفقر والجهل والمرض قبل تولي السلطان قابوس مقاليد الحكم في 23 يوليو 1970، ثم بعد تولي جلالته الحكم حيث استطاع رغم كل ذلك و»رغم محاولات التدخل الخارجي من الدول الإقليمية والدول العظمى والحرب التي كانت تشنها الشيوعية العالمية ضد عمان والخليج العربي» أن ينتقل بعمان «من تلك المرحلة التي تشبه ما قبل التاريخ إلى مرحلة البناء والتعمير والصحة والتعليم والقوة العسكرية» موضحا أن هذا أدى بعمان إلى «استعادة عافيتها الحضارية وصارت تنافس الدول العريقة في التنمية والتعمير»... «فضلا عن حضورها السياسي العالمي في خدمة قضايا التعاون الدولي والسلام الذي يشيد به رؤساء الدول الكبرى ومسؤولو الأمم المتحدة».

المؤلف اهتم في مقدمة الكتاب أيضا ببيان ما قام به صاحب الجلالة لبناء الفرد العماني الحديث «الذي نحتت الرؤية السلطانية شخصيته وفق مبادئ الإيمان العميق بالله والانتماء إلى عمان والاعتزاز بتاريخها وأخلاق أهلها وتراثهم، وحب العلم، وحرية الرأي، والتعددية الفكرية، والتجديد المعرفي، والانفتاح على العالم، وتعزيز الأمن والسلام العالمي».
معلومة أخرى اهتم المؤلف المحرمي ببيانها حيث ذكر أنه لا يمكن أن يكون هذا الإنجاز الذي وصفه بـ»الفارق» في تاريخ عمان «نتاج عمل عشوائي مجرد، بل هو بلا شك نتيجة لرؤية عميقة، استقرأت الواقع، واستشرفت المستقبل، وخططت للعمل، واشتغلت في البناء»... «فكان هذا الإنجاز الحضاري المذهل، الذي يستحق إلى جانب الإعجاب الدراسة والتحليل كي تستفيد منه الأجيال المقبلة لا للأمة العمانية فحسب بل وللأمم الأخرى».
عن العبارات التي اختارها من خطابات السلطان وتتميز بالقصر قال المؤلف «الجمل القصيرة بجانب فوائدها المرتبطة بسهولة الفهم والحفظ، تتميز كذلك بقدرتها الفائقة على الإدهاش، وتحفيز المتلقي لاستيعابها، وحفظها، وتمثل معانيها» مبينا أن الجمل القصيرة هي الأداة المستخدمة لتخليد الحكم والأمثال في جميع اللغات، ومبينا أيضا أن «كل عبارة من العبارات التي تتضمنها فصول هذا الكتاب تمثل مبدأ فكريا يستحق الدراسة، وكل مقولة تمثل مسارا حضاريا ينبغي تلمس معالمه وإيضاحها، وكل نص يمثل وسيلة منهجية ينبغي التوسع في بحثها، تعريفا ومناقشة، وإيجاد الشواهد لها من نصوص المراجع الدينية والفلسفية والعلمية وغيرها»، داعيا طلبة العلم إلى «الحفر في مفاهيم المفردات الواردة في المقولات السلطانية ومحاولة استجلاء دلالاتها، والحكمة من اختيارها دون سواها مثل مفردات الحرية والعدل والمساواة والسلام والوئام والبطالة المصطنعة وغيرها».
عن المقولات السلطانية التي اختارها المؤلف قال إنها «تجاوزت في تنوعها موضوعات العلاقات الدولية والأمن والدفاع، وحوت بالإضافة إليها فصولا عن النظام الدولي وأزمات المنطقة وقضايا السلام، وفصولا أخرى عن الإيمان، وبناء الإنسان، والإصلاح الاقتصادي، إضافة إلى الثقافة والفكر، وهوية الشعب، ودور المرأة، والعلم، والعمل، والرقابة، ومكافحة الفساد، والعدالة، والقضاء، والمساواة، وغيرها من الموضوعات».
ليس دعاية للكتاب ولا لمؤلفه ولكنه بالفعل كتاب ينبغي من كل عماني أن يقتنيه ويحفظ ما يتضمنه من أقوال صاحب الجلالة، ففيها قصة عمان، وفيها حاضرها، وفيها تصور لمستقبلها، وحلول لمختلف المشكلات وما هو غير متوقع من تطورات مفاجئة قد تشهدها المنطقة.
إن قولا مثل «علينا أن ننظر إلى تجارب من سبقنا» المقتطف من الكلمة التي وجهها صاحب الجلالة إلى طلاب جامعة السلطان قابوس في 2 مايو 2000 يلخص جانبا مهما من سياسة السلطنة والطريقة التي تبني بها خططها التطويرية، وهو يعني أن من غير المنطقي إعادة اختراع العجلة وأن العاقل هو من يعمل على الاستفادة من تجارب السابقين ويستخلص منها العبر ويبني عليها رؤيته فيوفر بذلك الكثير من الوقت والجهد ويضمن عدم وقوعه في الأخطاء التي وقع فيها السابقون أصحاب تلك التجارب. وهكذا فيما يخص بقية الأقوال التي اختارها المؤلف بذكاء، وتمكن بها من بيان رؤية صاحب الجلالة لبناء الدولة العمانية الحديثة.
المؤلف قال عن العبارات السلطانية التي اختارها بأنها «تنوعت بين جمل إسمية تصف الوضع حينا، وتقرر خطة العمل أحيانا، وتؤكد العزم في أحيان أخرى. إضافة إلى الجمل الفعلية التي توحي بالحركة، والتدفق، والاستمرارية، في البناء والإنجاز، وإقامة النهضة العمانية الحديثة».
جهد طيب ومشكور قام به الدكتور والباحث المعروف زكريا بن خليفة المحرمي في إعداده لهذا الكتاب الذي يفتح الأبواب على مصاريعها للطلبة العمانيين كي يجتهدوا في قراءة خطابات صاحب الجلالة وقراءة ما بين سطورها، وهو كثير.

· كاتب بحريني