مجلس التعاون في أزمنة مختلفة (8-1)

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٢٨/ديسمبر/٢٠١٧ ٠٣:٤١ ص
مجلس التعاون في أزمنة مختلفة (8-1)

مرتضى بن حسن

ما رُسّخ من الاجتماع الأخير للقمة الخليجية الأخير في الكويت أعطى انطباعاً أنه ما عاد هذا المجلس مثلما كان من آمال وطموحات أهل المنطقة في مجال تطوره، إن لم يكن مرشحاً لمزيد من الانحسار على الرغم من الجهود الكويتية الكبيرة لإنقاذه مدعومة مع الجهود العمانية. وما لم يحدث تطور جديد مفاجئ فإن مناسبة إنشاء مجلس دول التعاون الخليجي في 25 مايو 1981 سوف تمر مرور الكرام وسوف تختفي الاحتفالات الفولكلورية المتكررة حول إنجازاته على الورق، وبعد أن حدث ما حدث من خطوب لمسيرة المجلس ربما سوف نتذكر هذا البيت للمتنبي:

عيد بأية حال عدت يا عيد

بما مضى أم بأمر فيك تجديد

فجرّت الأزمة الأخيرة الخلافات الدفينة وظهرت إلى العلن بشكل غير مسبوق فاجأت حتى أكثر الأشخاص العارفين ببواطن الأمور ورافقتها حملة إعلامية واسعة واتهامات متبادلة خطيرة كانت مخصصة إلى أشهر قليلة مضت لإيران وسوريا والعراق واليمن. وأظن أن كثيرين يتذكرون عدداً من الخلافات الخليجية التي كانت تظهر على السطح بين فترة وأخرى.

واليوم إذا أردنا أن ننظر إلى تجربة مجلس التعاون الخليجي وتقييم أدائه بعد مرور 36 عاماً على إنشائه فلا بد أن نجري مقارنة بين الوضع السائد عند إنشائه وبين الوقت الراهن، مقارنة بين مجموعة من المتغيرات الكبيرة في ثلاث مراحل أساسية، مرحلة الظروف السائدة وقت إنشاء المجلس والمرحلة التي مرت بها التجربة والمرحلة الحاضرة، ومن المتغيرات هي:
مجموعة متغيرات البيئة العربية ومتغيرات البيئة الإقليمية ومجموعة البيئة الدولية ومجموعة البيئة النفطية وبالتالي الاقتصادية. في مرحلة إنشائه تضافرت عوامل عدة تدفع جميعاً نحو إنشاء مجلس التعاون. فمن المتغيرات العربية:
أولا: انحسار المد القومي العربي الذي بدأ في الخمسينيات من القرن الفائت تمثله مصر وهي دولة لها ثقلها. واستهوت الفكرة القومية العابرة للطوائف كثيرين من الناس عبر امتداد الوطن العربي.
ثانياً: ظهور العراق كقوة عربية صاعدة، ثم دخوله في حرب مع إيران دامت ثماني سنوات وما أفرزتها من إعادة إنتاج الفتنة التاريخية الإسلامية القديمة التي أعيد توظيفها لأحداث قطيعة بين الحالة الإسلامية والحالة القومية. وتحمس أصحاب المصلحة في التوظيف فباعوا السلاح إلى الجانبين، وقدموا المعلومات هنا وهناك لكي تستمر الحرب، وبحيث لا يخرج منها منتصر ومهزوم، وإنما يخرج طرفان كلاهما مهزوم.
ثالثا: اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل وظهور ردود فعل غاضبة شكلاً على أقل تقدير وابتعاد مصر عن محيطها العربي وما أعقب ذلك من سحب السفراء العرب من القاهرة ونقل مقر الجامعة العربية منها إلى تونس.
رابعاً: إعادة تشكيل حركات الإسلام السياسي، واتجاهها لمزيد من العنف وانقساماتها المتوالية إلى حركات أعنف. خامساً: دخول القوات السوفيتية إلى أفغانستان والمحاولات الغربية لاستنزاف الاتحاد السوفيتي وغرس الخنجر في ظهره وبداية مقاومته، ونشوء حركة القاعدة وحركات الإسلام السياسي المختلفة. ولعل «مكسب العرب» الوحيد إذا جاز وصفه بالمكسب أن آلافاً من الشباب العرب ارسلوا إليها جنوداً للإسلام مقاتلين، ثم عادوا منها ليقفوا أمام المحاكم العسكرية في أوطانهم إرهابيين. وتداعيات ما حدث تحتدم إلى الآن. إضافة إلى وجود خطر شيوعي في جنوب الجزيرة العربية.
سادساً: الإطاحة بنظام الشاه في إيران وسيطرة الجناح الديني على السلطة وردود الفعل الواسعة حول ذلك التي ولدّتَ لدى تيارات إسلامية أخرى، سنية وشيعية تصوراً بإمكانية تكرار مشابه لما فعله الخميني في إيران، وتخّوف الحكومات العربية والعالمية في نفس الوقت من نجاح حركات إسلامية وقدرتها على السيطرة على بلدان أخرى في المنطقة، ونشوء دول أو جمهوريات «إسلامية» خارج نطاق السيطرة.
سابعا: احتلال الحرم المكي وتسببها بسفك الدماء في ساحة الحرم الملكي في العام 1979 من قبل جهيمان العتيبي وأنصاره وزعمه أنه قام بالعمل نصرة للمهدي المنتظر الذي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت جوراً وظلماً والدعوة إلى مبايعة محمد عبد الله القحطاني، خليفة للمسلمين، وإماماً لهم بصفته المهدي المنتظر. وما أعقب ذلك من تداعيات على السعودية وما أنتجتها من التشدد الديني وتوسعه، وهي الحادثة التي أشار إليها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عندما صرح أن هدفه هو إرجاع الإسلام المعتدل إلى ما كان عليه قبل أحداث 1979.
ثامنا: الارتفاعات المستمرة في أسعار النفط بعد حرب عام 1973 وما شكلته من تدفق أموال خيالية للخزائن الخليجية.
تاسعا: بداية الحرب العراقية الإيرانية وقيام معظم دول الخليج بالوقوف إلى جانب العراق ومساعدته مالياً.
عاشرا: نهاية الحرب وخروج العراق مرهقاً مالياً بعد انتهائها وتوقف المساعدات الخليجية عنه في الوقت الذي كان بحاجة اكبر لها، دفع العراق الى عملية غزو الكويت بدعوى وحدة التراب العراقي. وكانت العملية خطأ في كل القواعد، ابتداءً من قواعد العرف القومي وضوابطه التي تفرضها أسباب التاريخ القريب وتجاربه، وانتهاءً بقواعد الحساب الدولي ومنافعه التي ترسم خطوطها على الرمال. وبصرف النظر عن كل الأخطاء التي وقعت ورافقت الغزو فان أجوائه أحدثت انفلاقا في الكيان العربي الذي كان متصدعا أصلا قبل ذلك. والأسوأ أن حلاً عربياً وخليجياً كان ممكناً لهذه الأخطاء في الحسابات والمضاعفات، ولكن هذا الحل الممكن تحٌوّل إلى مستحيل لان القوى المسيطرة كانت لديها أولوياتها وطلباتها ومن ضمنها تدمير العراق وليس تحرير الكويت فقط. وكانت تصفية القوة العراقية مطلبا إسرائيليا بالدرجة الأولى، ومن سوء الحظ انه تحوٌل مطلبا عربيا وخليجيا تحديدا. والحرب لتحرير الكويت وتدمير العراق انشأت في الواقع تحالفا على الأرض بين العرب وإسرائيل نمى مع مرور السنين.
الحادي عشر: ولادة إحساس لدى دول الخليج بضرورة حماية نفسها واعتقادها أن المال المتدفق على خزائنها سوف يجلب الاستقرار والتقدم والرقي من دون معرفة لشروط التقدم الاقتصادي والاجتماعي والعلمي وكانت النتيجة انه حتى مستوى الأداء الداخلي لم تتمكن معظم الدول الخليجية من إحراز تقدم حقيقي على جبهات عديدة.الثاني عشر: «الحرب الأهلية» في لبنان وتباين المواقف منها، ولَم تكن تلك الحرب أهلية فقط. وإنما كانت حرب عربية-عربية، وعربية -دولية، وقعت على ارض لبنان، واقتصت ضرائبه من أرواح وثروات شعبه وما تبعها من اجتياح إسرائلي سافر وبداية ظهور ونمو قوة حزب الله ودخول إيران على الخط مباشرة عن طريق تقديم الدعم للحزب والحركات الإسلامية الأخرى، السنية منها والشيعية وما تبع ذلك من انسحاب الفصائل الفلسطينية من لبنان ونزول القوات الأمريكية والفرنسية واضطرارها للانسحاب بعد تكبدها خسائر كبيرة في الأرواح.