
فريد أحمد حسن
تبذل دول مجلس التعاون جهوداً كبيرة في رعاية الشباب وتأهيلهم للمستقبل، فالمجتمعات الخليجية مجتمعات شبابية، إن وفرت الظروف المناسبة للشباب كي يعمل ويبدع أينعت وتطورت، وإن أخفق المعنيون في توفير ذلك تأخرت وضاعت، فالشباب عمود المجتمع الخليجي وأمله ومستقبله. والأكيد أنه لا يختلف اثنان على أن القيم تلعب دوراً رئيساً في تقدم المجتمع وتماسكه، فالقيم – حسب دراسة أعدها البروفيسور محمود عقل بتكليف من مكتب التربية العربي لدول الخليج نشرت بعنوان «القيم السلوكية» – تزيد من قيم الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية والالتزام والضبط الداخلي، والمثال على ذلك أن القيم الدينية والاجتماعية عبارة عن موجهات وطاقات للعمل الفردي والجماعي.. تضبط سلوك الأفراد وتؤلف بينهم كوحدة اجتماعية، والقيم الإنسانية كالمساواة والعدالة ونبذ العنف والتضحية والإيثار تعلب دورا في وحدة المجتمع وتماسكه وتجنبه الفوضى وانتشار الظلم والأنانية. الخلاصة التي يرمي إليها صاحب «القيم السلوكية» هي أن «المجتمع الذي يمتلك نظاماً قيمياً يملك معظم مقومات التقدم والارتقاء التي تؤهله لمواجهة تحديات العصر وتساعده على التوقع بسلوك أفراده في ضوء بنائهم القيمي واستجاباتهم السابقة في المواقف المختلفة». هذه الخلاصة تدفع إلى التساؤل بقوة عن الذي يحدث اليوم في مجتمعاتنا الخليجية التي تعاني بوضوح من القيم السالبة التي أفرزتها الحضارة الغربية ومدى تأثير ذلك على التنمية في هذه المجتمعات. يزيد من القيم السالبة ما أحدثته الثورة العلمية والتقنية من انفتاح غير عادي على الثقافة الغربية، فهذه السوالب أدت بالشباب الخليجي إلى الوقوع في حيرة بين قيمهم الأصيلة والقيم الدخيلة على مجتمعهم بل أن البعض الكثير من هذا الشباب صار يعيش حالة اغتراب في مجتمعه، وهذا وذاك يؤثر دونما شك على تفاعله وأدائه وعلى التنمية والارتقاء بالحياة هذه مشكلة كبيرة وليست مجرد إشكالية، فالشاب الخليجي الذي توفرت له كل الظروف التي تعينه على الانطلاق نحو الثقافات الأخرى وصار مستفيدا من التكنولوجيا الحديثة يجد نفسه منحازا إلى تلك الثقافات ومتخليا شيئا فشيئا عن القيم الأصيلة التي تميز مجتمعه الخليجي، ويكفي الإشارة إلى أن وسائل التواصل الجديدة لا تهتم في الغالب باللغة العربية التي من شأنها أن تعين على الحفاظ على تلك القيم، فينجرف الشاب نحو القيم الدخيلة وتتحول مع الزمن إلى جزء من قيم مجتمعه.
أحد صور معاناة الشاب الخليجي اليوم تتمثل في أنه يعتنق قيما معينة تربى عليها لكنه يمارس سلوكاً يعكس قيما أخرى، وهذه أيضا مشكلة تحتاج إلى درس وبحث وإيجاد الحلول المناسبة لها. عمليا لا يمكن للشاب الخليجي أن يرفض القيم الجديدة وإلا صار خارج الزمن، وعمليا أيضا لا يمكنه أن يظل متعلقا بقيم الماضي وإلا صار غريبا على الزمن. هل ينغلق على نفسه كيما يحافظ على قيمه التي نشأ عليها، وهي قيم أصيلة أساسها الدين الإسلامي والمجتمع الخليجي المحافظ والمرتبط بالتراث ويحارب القيم الدخيلة أيا كان نوعها ؟ أم ينفتح على القيم الجديدة التي لا يفهم في الغالب ماهيتها ولا تخضع للقواعد التي تفرضها القيم الأصيلة في مجتمعه؟ الباحث محمود عطا يقرر أن هذه الحيرة التي صار يعيشها الشاب الخليجي سببت «اضطراباً ثقافياً نتج عنه اختلال في المفاهيم وفي الاهتمامات والتفضيلات والسلوكيات والتطلعات وضياع الشخصية القومية التي تعتبر القيم أهم أركانها»، وأنه لهذا صار لزاما إسناد الشباب فكريا ومعنويا وعدم تركهم يواجهون القيم الوافدة بمفردهم وتعزيز القيم الأصيلة، وهو دور ينبغي أن تقوم به المؤسسات التعليمية التي من مهامها غرس القيم لدى التلاميذ وليس تلقين المعارف والمعلومات، وتساندها في ذلك الأسرة والمسجد والمجتمع. هناك بالتأكيد تقصير من مختلف الجهات ذات العلاقة، وهناك بالتأكيد أيضا قصور في إدراك أهمية القيم في تشكيل الشخصية وتوجه السلوك وتماسك المجتمع، وكذلك في معرفة المعنيين بالتوجهات القيمية الواقعية لدى الأبناء، ذلك أنه من غير المنطقي رفض كل القيم الجديدة في وقت صارت فيه الثقافة الغربية، شئنا أم أبينا، هي السائدة والمؤثرة ويساندها في التسيد والتأثير التكنولوجيا الحديثة التي للأسف لا دور لنا فيها. الارتقاء بالشباب الخليجي وتنمية المجتمعات الخليجية تتطلب مواجهة كل هذه التحديات، فللقيم دور محوري في تشكيل شخصية الشاب الخليجي وتوجيه سلوكه وفي مساعدته على تشكيل أفكاره وتصرفاته واختياراته وسلوكه، من دونها وبالتماهي مع القيم الدخيلة تضيع الهوية الخليجية وتتعرض شخصية الشاب الخليجي إلى اضطرابات يتحول بسببها إلى شخص غير فاعل وغير مؤثر، وقد يصير بعد قليل مجرد رقم فاقد القيمة.هل نعدل بعض قيمنا؟ وما هي هذه القيم؟ ولماذا؟ هل نغيرها؟ ولماذا أيضا؟ وأي القيم الجديدة الدخيلة نتبنى ليتمكن شبابنا من مواكبة التغير والمساهمة في البناء والتنمية؟ هل التعديل أو التغيير يؤثر على هويتنا الخليجية؟ وإلى أي حد؟ هل نعدل ونغير ثم نغلق باب التعديل والتغيير أم نتركه مفتوحا؟ وما تأثير ذلك وذلك على شبابنا وسلوكياتهم؟ المشكلة كبيرة وتزداد كلما جد جديد في عالم التكنولوجيا وصار لا مفر من اقتنائه والاستفادة منه في التعامل مع الحياة، وهي تزداد أيضا كلما زاد تأثير الثقافة الغربية وانحاز شبابنا إليها، وكلما اعتقد هذا الشباب أن القيم التي تربى عليها لم تعد بالقيمة التي كانت عليها.
كاتب بحريني