
لماذا تمحورت النكات لزمن طويل حول «الصعايدة» بالذات وصُوِّروا في الثقافة العامة بأنهم حمقى لحد العته والجنون؟
سؤالٌ سألته لنفسي، وأظن أنّ كل من قابل «صعايدة» ولم يجد فيهم ما يُثير السخرية قد سأله لنفسه أيضاً. حسناً، يُقال إن الاحتلال البريطاني هو من دشّن تلك الصورة المغلوطة عن الصعايدة الأحرار لكسر شوكتهم وإسقاط مصداقيتهم بعد أن عاش المستعمر رعب مقاومتهم وذاق طعم تمرّدهم. فهز صورتهم أمام العالم، وأمام أنفسهم أيضاً، رغم أنهم من قدّموا للعالم الأدباء العظام والعلماء العباقرة. لكن تعليق صفات الغباء والبلادة بهم قد جعل أفعالهم وأقوالهم محل استهزاء. وهو سلاح واصل الركب استخدامه جهلاً بمعانيه ومقاصده. فعلت آلة التضليل الشيء نفسه في علماء الدين، فأسقطت هيبتهم وألصقت بهم صفات النفاق والخداع من خلال النكت. فقيل فيهم بالمزح ما أُريد له أن يصل بالجد. وقد اغتِيلت الكثير من الشخصيات والجماعات معنوياً بفعل النكتة. التي استُخدمت -أيضاً- لتحسين صور المحششين والسكارى وتقديمهم بطريقة تسوغ للجماهير. فالمحشش مضحك وظريف. والسكران مستهزئ بالموت ونوائب الحياة. وكلاهما يعيشان متحرران من القلق والخوف اللذين يتخذان من أجساد البشر مسكناً.
الخيانة الزوجية مضحكة. الغرب أذكياء ونحن حمقى. والمفارقة أن الحظر الذي يفرضه الوالدان على الأبناء ضد بعض الكلمات والتعبيرات السوقية يُرفع تحت مسمى النكتة. والمتابع للإنتاج الذي يُسمى «كوميديا» في وطننا العربي سيجد مساحة السماجة والانحلال. والتحرر من العطف والرحمة تجاه ذوي الاحتياجات والحالات الخاصة في أوضح صوره تحت عنوان «النكتة واستمطار الضحكة». وهذا بذاته وباء لا تتسع للحديث عنه السطور.
«النكتة هي سخرية من موت الشعور» قال فريدريك نيتشه. وهي أداة تنفيس كما يراها فرويد. وهي في الوقت نفسه أداة تربية وإفساد للمجتمع. يتعملق حضورها في المجتمعات المرهقة التي تضيق فيها آفاق الحل السياسي والتطور المجتمعي. ولا عجب أن الشعوب العربية تتفوّق على غيرها في حضور النكتة في حيّزها: فهي أداة هروب، وتنفيس. ولو تعاملنا معها بعقل لكانت ستتحوّل أيضاً لأداة بناء. عوضاً عن أن تكون أداة هدم للمجتمعات كما نراها الآن.
lameesdhaif@gmail.com