أجندة اقتصادية لجنوب أفريقيا

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٢٥/ديسمبر/٢٠١٧ ٠٣:٥٦ ص
أجندة اقتصادية لجنوب أفريقيا

أندرو دونالدسون

بعد مرور ما يقرب من العشرين عاما على إحباط الجهود التي بذلها نيلسون مانديلا لتعيين سيريل رامافوسا خلفا له، انتخبه أعضاء حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الآن زعيما لهم. بالطبع، لم يُصبِح رامافوسا بعد رئيسا لجنوب أفريقيا. لكن التوقعات بأن تسلك السياسة الاقتصادية اتجاها جديدا تحت قيادته باتت مرتفعة بالفعل. كيف إذن قد تكون العلاقة بين رئاسة رامافوسا واستعادة النمو وضمان التقدم الاجتماعي في الدولة التي كانت تُعَد مركزا للنشاط الاقتصادي القوي في أفريقيا والتي تمكن منها التباطؤ الآن؟

منذ أزمة الركود في الفترة 2008-2009، أصاب الركود اقتصاد جنوب أفريقيا، الذي قيدته إخفاقات القيادة وتراجع الثقة. وارتفع معدل الباحثون عن عمل إلى 27.7%، وهو أعلى معدل في ثلاثة عشر عاما. ومن المتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 0.7% هذا العام، بعد أن ظل عند مستوى 0.3% في عام 2016. وكان الدين العام في ارتفاع، كما ركد نصيب الأسرة الحقيقي في الدخل. وتظل فجوة التفاوت متسعة بشدة، ومستوى السخط العام مرتفعا.

ويظل الالتزام الضروري بسياسات متماسكة غائبا، على الرغم من نشر خطة التنمية الوطنية في عام 2011. وقد تعثر التعاون بين عالَم المال والأعمال وقادة الحكومة لتعزيز الإصلاحات الرئيسية واستباق تخفيضات التصنيف الائتماني عندما أقيل وزير المالية برافين جوردان من حكومة الرئيس جاكوب زوما في مارس.
وقد أدى تدهور التوقعات الاقتصادية إلى نشوء تشخيص منحرف. إذ يُصِر بعض المراقبين على ضرورة سد الثغرات والاستعداد لمواجهة المتاعب: ضبط الأوضاع المالية، وتحجيم قوة النقابات، وإلغاء الضوابط التنظيمية للأسواق. ويدعو آخرون إلى تحول جذري: التصنيع بقيادة الدولة، والتعليم العالي المجاني، وإعادة توزيع الأراضي دون تعويض.
في الماضي، وعلى الرغم من الخطاب السياسي الحاد في جنوب أفريقيا، ساعدت القيادة القوية وإشراك أصحاب المصلحة في تمكين الشركاء الاجتماعيين من إيجاد أرضية مشتركة. ولكن اليوم، أصبح الحوار بشأن الإصلاح ضحلا ومستقطبا، في خضم اكتشافات واسعة النطاق لحالات الفساد والاحتيال في كل من القطاعين العام والخاص. ويهدد تآكل الثقة نتيجة لهذا مشاريع بناء الدولة المعقدة بالفعل وجهود تعزيز التعافي الاقتصادي.
في السعي إلى استعادة التماسك السياسي والاجتماعي، لن تضطر القيادة الجديدة لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي إلى تعزيز المبادئ الأخلاقية في مجال الخدمة العامة فحسب. ذلك أن تحقيق النمو الشامل وتجنب التدهور المالي في الوقت نفسه يتطلب اللجوء إلى اختيارات اقتصادية صعبة. وتتطلب التنمية المتسارعة إيجاد مزيج غير تقليدي من السياسات وإدخال تحولات جوهرية على التوازن بين الدولة والأسواق.
تعتزم جنوب أفريقيا تقديم حد أدنى قانوني للأجور العام المقبل، وسوف يساعد هذا في حماية العديد من العمال المعرضين للخطر، وربما يؤدي إلى نتائج أكثر بساطة وإنصافا مقارنة بالغابة الكثيفة الحالية من اتفاقات المساومة الجماعية والقرارات القطاعية. ولكن كما زعم مؤخرا الفريق الرفيع المستوى الذي ترأسه الرئيس الاسبق كجاليما موتلانثي، فإن الأمر يتطلب اتخاذ تدابير تكميلية لدعم تشغيل العمالة من الشباب وغيرهم من الضعفاء الباحثين عن عمل.
ولابد أيضا من تمديد الدعم الحالي للعمال الشباب، والذي يعمل كحافز ضريي مؤقت لأرباب الأعمال، إلى كل الموظفين من ذوي الأجور المنخفضة في الوظائف المسجلة. ويظل هذا النهج، الذي اقترحه في الأصل سام باولز الأستاذ في جامعة ماساتشوستس على لجنة سوق العمل في جنوب أفريقيا قبل عشرين عاما، الخيار القائم على السوق الأكثر إقناعا في التعامل مع تركة الباحثين عن عمل البنيوية التي خلفها نظام الفصل العنصري.
وعلاوة على ذلك، ينبغي توسيع برامج الأشغال العامة المدارة محليا وبرامج تشغيل العمالة المجتمعية، بما يتماشى مع الحد الأدنى للأجور ومعايير العمل الأساسية. ولابد أن تتخذ برامج دعم دخل الأسر مسارا مزدوجا: التحويلات النقدية، الراسخة بالفعل، وضمان العمل الأساسي، الذي يتخلف كثيرا عن الاحتياجات.
ومن الأهمية بمكان هيكلة التدخلات النشطة في سوق العمل وخدمات التوظيف العامة باعتبارها شراكات بين القطاعين العام والخاص، والبناء على النجاح الواضح الذي أحرزته المبادرات المستقلة القائمة. وعلى نحو مماثل، يتطلب التخطيط، والإشراف، والتمويل للتعليم الفني والمهني التعاون الفعّال بين مجموعات الأعمال، والحكومة الوطنية، والبلديات.
إلى جانب هذه الإصلاحات المؤسسية، تحتاج جنوب أفريقيا إلى تسريع وتيرة الاستثمارات في المدن، والبنية الأساسية الحضرية والإسكان. فالتوسع الحضري يشكل عاملا محددا قويا لنمو الإنتاجية وتحسن سبل العيش. لابد أيضا من تعزيز أنظمة تحصيل الإيرادات اللازمة للاستثمار في تحسين الإسكان، والنقل الحديث، وشبكات الاتصال، والمراكز الصناعية، وتنمية المشاريع، رغم أنها ليست مختلة وظيفيا. تتمتع مدن جنوب أفريقيا بالجدارة الائتمانية. وهي تضم جامعات ممتازة ومؤسسات مالية قادرة.
ويشكل توسع الفرص المتاحة في أسواق الإسكان الحضرية ضرورة حتمية، ولكن القدرة على الوصول إلى الأراضي وسبل العيش الريفية تشكل أهمية كبرى أيضا. وتتضمن مقترحات فريق موتلانثي الرفيع المستوى تعزيز أنظمة إدارة الأراضي في المستوطنات غير الرسمية والمناطق الجمعية التقليدية، وتسهيل تقسيم الأراضي الزراعية.
من الضرورات الحتمية أيضا تسريع وتيرة التقدم في مجال التعاون الاقتصادي الإقليمي، عبر القطاعين العام والخاص ــ والذي يعود بالفائدة على كل من جنوب أفريقيا وجيرانها. وبوسعنا أن نتبين الآن تزايد قوة الروابط المالية والتجارية والعلاقات في مجال الهجرة بين دول الجنوب في أفريقيا، فضلا عن شبكات المياه والنقل والكهرباء والاتصالات المشتركة. ومع ذلك، تعاني المنطقة من نُدرة مشاريع البنية الأساسية الاستثمارية المشتركة، وضعف أواصر التعاون في مجال تعزيز التجارة، وتباطؤ التعاون في ما يتصل بالترتيبات المالية والضريبية. والواقع أن إصلاح الاتحاد الجمركي لدول الجنوب الأفريقي تأخر كثيرا.
ولكن لعل الاختبار الأصعب الذي يواجه القيادة الجديدة لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي يتمثل في عكس اتجاه سيطرة الدولة على النشاط الاقتصادي والاجتماعي في السنوات الأخيرة، وتوجيه الإصلاح الجريء في الوقت نفسه. فلفترة طويلة، ظلت الاستثمارات الخاصة والبرامج الحكومية المهمة تواجه المعوقات بفِعل الجهود البيروقراطية الرديئة التوجيه لتعزيز مصالح السود الاقتصادية، والضوابط الإدارية العامة غير العملية والمليئة بالثغرات.بطبيعة الحال، يشكل تقدم السود على المستويين الاجتماعي والاقتصادي أهمية مركزية لتحقيق التنمية الأسرع والأعرض قاعدة. كما يتطلب الأمر وضع قواعد صارمة وفرض إجراءات المراجعة لتعزيز الإدارة المالية النزيهة والشفافة. لكن جنوب أفريقيا تحتاج إلى أدوات قادرة على تسهيل النشاط وتقديم الحوافز لمكافأة الإنتاجية، وليس إقامة حواجز تعوق الاستثمار أو المبادرة. وإذا نجحت القيادة الجديدة لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي في فتح المجال أمام الفرصة الاقتصادية، مع العمل في الوقت نفسه على وضع حد لعقلية عقد الصفقات التي تخدم المصالح الشخصية، فسوف تعود الثقة ويعود النمو.

نائب المدير العام الأسبق للخزانة

الوطنية في جنوب أفريقيا،