
أحمد المرشد
لم أكن أتخيل كمّ التعليقات التي وصلتني على مقالي الأسبوع الفائت عندما حذّرت من ضياع هويتنا ولغتنا العربية في خضم ما تشهده المنطقة من خلافات وأزمات ونزاعات هنا وهناك، حيث لم تستثنِ دولة عربية تقريباً من التوترات والإرهاب. والفكرة هي أن الكاتب يحلل ويرصد ثم يضع أفكاره في جملة من الكلمات التي يستطيع من خلالها إيصال ما يراه ويتوقعه إلى القارئ، وبالتالي تأتي مرحلة التواصل بين الطرفين، فأحيانا اكتشف أن القراء في حاجة ماسة إلى الموضوعات الإنسانية، في حين يميلون في فترة أخرى إلى ملاحقة التحليلات السياسية خاصة في الأوقات التي تتوالى فيها الأحداث بسرعة دون أن تمنح القراء الفرصة لالتقاط الأنفاس لتحليلها بأنفسهم.. واعتقد أن قضية القدس والمسجد الأقصى استحوذت على ما عداها من قضايا في الفترة الأخيرة حتى باتت حديث رجل الشارع العربي والإسلامي الذي يتساءل بطبعه عما في جعبة العرب أن يفعلوه لإنقاذ مدينتهم التي تحدث عنها القرآن وهو ما سنفصله لاحقا.
ولعل أول ما في جعبة العرب والمسلمين هو الاتحاد فيما بينهم، فالوحدة قوة والفرقة تهلكة.
ولعلي لا أكشف سرا أنني كنت استعد الكتابة عن العام الجديد ببشائره علينا في مملكة البحرين ومنطقتنا الخليجية ووطننا العربي الكبير وأمتنا الإسلامية، ولكن الأحداث تلاحقت، فوجدت أن أفضل أمنية للعام الجديد هي يتوحد المسلمون والعرب في مواجهة التحديات الخطيرة التي تحاول النيل من مقدساتنا، وهذا الأمر تحديداً يتطلب اصطفافاً عربياً وإسلامياً من أجل التوصل إلى صيغة نحمي بها مقدساتنا، خاصة وأن الاعتداء على المقدسات اعتداء على كل القيم الإنسانية والحضارية ولا يولد سوى العنف والكراهية.. فمن واجب العرب والمسلمين في وقتنا الراهن وحدة الصف وتوحيد الجهود ونبذ الخلافات، ليس هذه الأيام فقط ولكن في كافة الأوقات والأزمنة، إلا أن هذه الفترة حرجة كما نعلم لأننا أمام أزمة «وجود وكيان وضياع مقدسات»، مما يجب معها تجاوز الخلافات وأن نكون على قلب رجل واحد.
ضرب رسولنا الكريم مثلا للأمة في تماسكها وتآزرها فقال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، وتروي حكاياتنا العربية القديمة أن إعرابياً أراد أن يعلّم أبناءه معنى الوحدة وأهميتها في الحياة وأنها قوة وصلابة وأن الفرقة مهانة ومذلة وفرقة وتهلكة، فجاء بحزمة من الحطب وطلب من أبنائه أن يكسروها بضربة أو ضربتين، فلم يفلح كل ابن على حدة عندما هم بضرب الحزمة..فما كان من الإعرابي إلا أن فك الحزمة ووزعها على أولاده عوداً عوداً، فتمكن كل ابن من كسر العود بضربة واحدة، فرد الإعرابي ببيت شعر رائع:
تأبى الرياح إذا اجتمعن تكسرا..وإذا افترقن تكسرت أفراداً
فقوة الأمة الإسلامية والعربية في الحفاظ على وحدتها وثقافتها وهويتها، وهذا سر بقاء الأمم والسبيل إلى نهضتها.. فأمة واحدة ودينها واحد وكتابها واحد وقبلتها واحدة ينبغي أن تكون يداً واحدة تطبيقا لقوله تعالى: «إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون»، فيد الله مع الجماعة كما قال رسولنا الكريم.
ونحن على أعتاب عام جديد، لن نتوقف عن التحذير من الفرقة والاختلاف، فهما من أسباب الهزيمة والتراجع والفشل والضعف في مواجهة أي تحديات، خاصة وأننا نواجه تحديا خطيرة يتمثل في صلف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي استخدمت بلاده حق النقض «الفيتو» ضد مشروع القرار المصري بشأن القدس، ويكفي أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نيتانياهو وجه الشكر للرئيس الأمريكي لاستخدام «الفيتو» قائلا: «شكراً أيها الرئيس ترامب، لقد أشعلت شمعة الحقيقة وبددت الظلام»!! وهل نحن في مأزق أكثر من مطالبة نائب الرئيس الأمريكي مايك بينس بعقد مؤتمر صحفي في قلب حرم حائط البراق بالمسجد الأقصى مدعياً أنه ملك الدولة الإسرائيلية وليس الفلسطينيين وأنه ليس مكاناً إسلامياً مقدساً بل من المقدسات التوراتية!!.عموماً نائب الرئيس الأمريكي طلب في نهاية الأمر تأجيل زيارته للمنطقة لأنه استشعر عدم رغبة الدول العربية في استقباله..ولكنه لم يدرك حتى وقتنا هذا أن حائط البراق مكاناً إسلامياً مقدساً ًوليس من اللائق استغلاله في عالم السياسة. كما أنه لم يدرك بفعلته المشار إليها – عقد مؤتمر صحفي في منطقة حائط البراق - سيؤجج المشاعر بما يؤدي إلى تصعيد جديد في المواجهات في الحرم القدسي الشريف.
لذلك من واجب قوى الخير أن تقف صفاً واحداً موحداً، فالخطر يتهدد الجميع بلا استثناء، وقوة أي دولة عربية من قوة الأمة العربية جمعاء، وقوة الأمة العربية من تماسك جميع بلدانها. وتقول الحكمة: «رجل فقير في دولة غنية أفضل من رجل غني في دولة فقيرة» لماذا؟..لأن الدولة الغنية تكفل أبناءها، أما الرجل الغني في دولة فقيرة فهو عرضة لكثير من المخاطر. وقياسا علي هذه الحكمة، فالدولة الفقيرة تصبح قوية في ظل وحدة عربية حقيقية، والدولة القوية تصير ضعيفة في أمة غير متماسكة ومشتتة.
فالاصطفاف الوطني والعربي والإسلامي ضرورة لبقاء الأمة الإسلامية والعربية وتحقيق عزتها، فالمسلمون والعرب في حاجة اليوم وغدا وفي عامنا الجديد في أن يصطفوا جميعاً في وقت يتكتل فيه العالم حولنا، حيث أدركت الدول أن الاحترام أصبح حصرياً للأقوياء المتحدين فقط وليس غيرهم..وهذا يتطلب أيضا تكامل الجهود وتكاتف الطاقات والتعاون جميعا لاستئصال قوي الشر والإرهاب والتطرف، فاللبنة ضعيفة بمفردها ولكنها قوية بأخواتها في الجدار الواحد ولا يسهل تحطيمها.
ولعلي اختتم بما بدأت به الأسبوع الفائت وهو السوشيال ميديا، فثمة «بوست» يسخر فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نيتانياهو من العرب بسبب ضعفهم ويتحداهم أن يسترجعوا القدس، فهم في أضعف حالاتهم. ويقول نيتانياهو:»القدس عاصمتنا رغم أنوفكم..ومن يظن أن العرب قادرون علي محاربتنا فأنظر لحال العرب الآن»..ثم ينتقل البوست إلى نقل بعض المشاهد السيئة والمحزنة لشباب من دول عربية شتى، ليعود نيتنياهو إلى المشهد ليقول: «هؤلاء هم العرب اليوم..انتهت رجولتهم ولن تعود القدس لكم أبدا»..
ولكننا لن نيأس بسبب ما ذكره نيتنياهو ومن قبل حليفه ترامب، فالوحدة هي أملنا ومبعث قوتنا في عامنا الجديد..اللهم وحّد صفوفنا وألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا..ولا تجعل لأعدائنا سبيلاً واجعل العام الجديد عام خير وأمن وأمان على أمتنا العربية والإسلامية وتحقيق الأماني والأهداف.
كاتب ومحلل سياسي بحريني