
لميس ضيف
أمارس أحيانا لعبة تخمين لئيمة. فأعطي للمحلات والمطاعم عمراً بعد زيارتها لأول مرة. فأخمن على سبيل المثال أن هذا المحل سيغلق أبوابه بعد 4 أشهر، أو سينجح، أو سيصمد لعام. ولا أطلق تخميناتي تلك بشماتة؛ بل بأسى لاسيما وأن كانت مملوكة لشباب مكافحين. زارتني صديقة ذات مرة فأخذتها لمطعم محلي فأعجبها فقلت لها «استمتعي به ما تأتي.. فعلى الأرجح لن يكون هذا المحل موجوداً في زيارتك القادمة»، فأطلقت كلمة «ليش» عفوية طويلة ولكن عجبها بطل ما أن عرفت السبب.
أحد أهم وأكبـــر أسباب فشـــل المشاريع التجارية الناشئة في السلطنة هي المغالاة في الإيجارات. تُفاجأ أحياناً أن معرضا في شارع فرعي يناهز إيجاره الـ4000 ريال! وأن مقهى في منطقة متوسطة الجاذبية ومحدودة الحيوية يتجاوز إيجاره الـ900 ريال! فإن حسبنا باقي المصاريف، وأجور العمال، فسنجد أن المحل يكلف صاحبه 2000 ريال شهريا دون المواد الاستهلاكية. فإن أضفنا المواد ناهز المبلغ الـ3000 ريال. ما يعني أنه سيكون خسرانا في كل يوم يحقق فيه ما لا يقل عن 100 ريال. ولأن المنافسة قوية. ومدّ السوق وجزره يحتاج لبحارة ماهرين سرعان ما يرفع صاحبنا الراية البيضاء بعد أن يجد نفسه بين شفرتي مقص: فإن هو رفع الأسعار نفّر الزبائن، وإن خفضها عجز عن الوفاء بالتزاماته. أضف لتلك الخلطة الكارثيــة المنافسة غير المتكافئة بينه وبين الأجانب. وحقيقة أن بعضهم يدفع إيجارات قديمة لا تعدو نصف ما يدفع. ولأن المستثمر الصغير قصير النفس بالطبيعة يمكن بجلاء معرفة سبب تعثره في مرحلة الحبو بعد أشهر من الحلم والتخطيط.
هل ثمـــة وسيلة لتقويض المضاربة في أسعار الإيجـــارات التي تعد مرتفعة- حتى بمقارنتها بالإيجارات في دول منتعشة الأسواق بالخليج- وهـــل يمكــن تنظيم تلك العملية؟
الجواب هو: لا..
لأن النموذج الاقتصادي المعتمد في دول الخليج يسمح للسوق، وللسوق وحده، أن يحكم أسعاره ويسير نفسه. وبالتالي لو قرر أحدهم أن يعرض محلاته للإيجار بـألفين ومثيلاتها مؤجرة بثلث المبلغ فليس لأحد أن يحاسبه أو يلجمه إلا نظام العرض والطلب في السوق. ولأن الغالبية ترفع أسعارها بلا توقف؛ وتجد رغم ذاك من يستأجرها ظنا من المستأجر- المبتدئ عادة- بأنه سيجني عشرات الآلاف من مشروعه الصغير، وبأنه سيكتسح السوق؛ فلا تثريب على غيرهم إن هم ما رفعوا الأسعار لسقف جنوني؛ بوجود من سيقبل به كما أسلفنا.
لا حل ومخرج إذن لهذا الأمر! والجواب هو بالطبع هناك.
رصدت الدولة الملايين لمساعدة المشروعات الناشئة عبر بنك التنمية وصندوق الرفد وغيرها من البرامج. وهم ينفقون بسخاء على دعم تلك المشروعات. ومن المناسب أن يتم التفكير باستثمار أجزاء من أراض حكومية بغرض بناء محلات وتأجيرها بأسعار معقولة للشباب عوضا عن منحهم قروضا يذهب جلها على إيجارات تقلل من قدراتهم التنافسية.
مقترح كهذا، في حال تنفيذه، كفيل أن يعيد التوازن للسوق، عبر توفير خيارات وبدائل تجبر البعض على الحد من المضاربة والمبالغة التي تؤذي السوق- وتؤذيهم هم أيضا- بدرجة أو بأخرى.