
محمود بن سعيد العوفي
الكلمة أمانة ومسؤولية، وسلاح ذو حدين، ولها شأن جليل، وبلا ريب تعدّ الكلمة مسؤولية كاتبها وقائلها، بل والحرف أمانة على ناسخه وناطقه، حيث يكتسب صاحب الكلمة الصادقة النافعة المفيدة، أجراً وثواباً، وإما الكلمة السيئة التي تدعو إلى الباطل، وتؤيد الشر والفساد فتلك كلمة يُحاسب عليها قائلها، وبالتالي فإن الكلمة الطيبة سهلة على من زكت نفسه وطابت سريرته، وقد تصنع في مستمعها همماً عالية، وانطلاقاً نحو الأمل، وتسمو به إلى باب النجاح، وترفع من مستوى الإنتاج في العمل، وتنعكس إيجاباً على تحسين الأداء بين الموظفين.
والكلمة في بعديها الإيجابي والسلبي بقول الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ. تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ) «24 - 26» سورة إبراهيم.
والمتأمل في واقع التعامل الفكري عموماً يجد مناهج مختلفة وأساليب مضطربة، فهذا يجنح إلى الكلمة الغليظة الفظة، وذاك إلى الكلمة الملتوية والأسلوب المراوغ، والآخر إلى الكلمات الجارحة، والبعض يهوى إصدار الأحكام الصارمة بلا هوادة، من صحة وبطلان، وتحليل وتحريم، لا عن علم وبصيرة، ولكن من منطلق الأهواء والعواطف، وهنا فمن الأهمية بمكان أن تكون النظرة الواعية للكلمة في جدواها وآثارها قبل أن تبث نطقاً أو كتابة.
وعليه، فإن أخطر منزلق ويتداعى الحرف في هاويته السحيقة عن طريق تصنيع الكلمة وزخرفة القول والدخول إلى المخاطب من نقطة الضعف والاستغفال، لإغرائه والإيقاع به والإيحاء له بسلامة الفكرة وصحة المفهوم المزيف الذي تحمله تلك الكلمة.
وفي سبيل تحقيق الارتقاء بالكلمة نحتاج إلى المعرفة الصحيحة فيما نتحدث عنه، بمعنى العلم قبل القول والعمل، والحيدة والموضوعية، فلا نبيع عقولنا طمعاً في المصالح الذاتية والمنافع الشخصية، ولا نخضع للأهواء التي تهوي بصاحبها في أودية النفاق والمداهنة، وعلينا التثبت ما نقول، فلا نطلق الأحكام أو ننقل الكلام دون تثبت، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) «6» سورة الحجرات.
ويظن الكثيرون أن الكلمات اللينة الهادئة ضعف أو خوف، ولكن لو بحثنا داخل النفس البشرية، لوجدنا أن هذه الكلمات لا تخرج من النفوس الضعيفة، ولكن منبعها من النفس الحكيمة القادرة على اختيار كلماتها، فهي بلا شك كلمات لا تنبع سوى من الأشخاص الواثقين من أنفسهم، ومن تصرفاتهم، الذين لا تتوقف قيمتهم على ردة فعل عنيفة في لحظة غضب.
أخيراً، فالكلمة إما أن تكون أداة بناء وتواصل، أو معول هدم وأداة تخريب، فما أحوجنا جميعاً إلى اصطفاء الكلمة واختيارها ومن ثم وضعها في موضعها المناسب.