كيفية الخلاص في اليمن !

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٣٠/نوفمبر/٢٠١٧ ٠٣:٣٥ ص
كيفية الخلاص في اليمن !

علي ناجي الرعوي

من يصف الوضع الغامض في اليمن بأنه لغز من الألغاز لا يجانبه الصواب فهذا الوصف هو أقل ما ينبغي أن يقال عن الأحداث الضبابية التي تتصدر المشهد في هذا البلد فالحرب المستعرة على أرضه تبدو وبعد 32 شهرا تقريبا غير واضحة وغير محكومة بسقف محدد كما أنها التي لا عنوان لها أوصفة واضحة يمكن من خلالها الاطمئنان إلى الأهداف التي تروم لتحقيقها حيث لا شيء يدل على أن الاحتراب المحتد في اليمن يهدف فعلاً إلى تصويب المعادلة السياسية التي اختلت بسيطرة حركة أنصار الله على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014 ولا شيء يوحي أيضا من أن التدخل العربي العسكري جاء دفاعاً عن شرعية الرئيس هادي وتمكينه من العودة إلى القصر الجمهوري بل ما نراه واضحاً هو أن ما يدور في اليمن تحت وقع طبول الحرب وصخب المدافع و أزيز الطائرات إنما يندرج في إطار الصراع الذي يشهده الإقليم في اللحظة الراهنة نتيجة الخلاف المتجذر بين طهران والرياض والذي تحاول كل واحدة منها إثبات ذاتها على المستوى الإقليمي والدولي إلى درجة أن هناك من يعتبر الحرب في اليمن حربا لرد الاعتبار للسيادة العربية التي تنتهك من قبل الجانب الإيراني الذي يتمدد في الأرض العربية دون أي رادع في حين أن الحد من النفوذ الإيراني يمر عبر بوابة التكامل الإقليمي وتجاوز الخلافات العربية وامتلاك صناع القرار للتفكير الاستراتيجي والجمعي.

لا جدال في أن العديد من القوى الدولية قد أقنعت الدول التي تقود التحالف العربي بضرورة حسم المعركة في اليمن عسكريا مهما طال أمد الحرب ونتج عنها من الخسائر بحجة أن أي تراجع عن هذا الأمر من شأنه أن يشكل انتكاسة لمشروع المواجهة مع إيران و(فرملة) اندفاعاتها فضلا عن أن المحور العربي المناهض لطهران بحاجة إلى التعويض عن خسارة سوريا التي مثلت ميدانا لتحدي إيران واستنزافها ولعل هذا ما جعل البعض يرى في اليمن الخاصرة الضعيفة التي يمكن فيها إعادة التوازن في العلاقات الإقليمية مع طهران على الرغم من المخاطر الكثيرة التي ترافقت مع هذا المجهود، والذي اقتضى بدوره التعامل مع تداعيات الحرب الجارية في اليمن بكل تطوراتها وتجلياتها وأحداثها المأساوية والإنسانية من منظور (إدارة أزمة) لا منظور (حل الأزمة) مما كرس لاستمرار الحرب كل هذه الفترة الطويلة، والتعاطي معها كواقع والعمل فقط على تجنب أضرارها على سلامة الملاحة الدولية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن لتظهر هذه الحرب أكبر من طاقة اليمن ومن قدرته على تحملها واستيعاب ارتداداتها هو ما دفعه عنوة إلى مربع الانهيار حيث تهاوت كليا مقومات الاقتصاد وسقطت أركان الدولة المركزية، وحلت بديلا عنهما المجاعة والفقر والبؤس والأمراض وضنك الحياة.

لقد بررت دول الخليج التي تقف على راس التحالف العربي حربها الحالية في اليمن من أنها تتمحور حول مجابهة التوسع الإيراني وكذا دعم طهران لحركة أنصار الله وبصرف النظر عن دقة هذه الفكرة فالحقيقة انه وبينما تشكو تلك الدول من إمكانية وقوع اليمن تحت النفوذ الإيراني فأنها التي تغفل ما تعرض له اليمن من خذلان على مدى ثلاثة عقود فقد جوبهت كل محاولاته في الحصول على عضوية مجلس التعاون الخليجي بالرفض مراراً وتكراراً مع أنه الذي ظل بحسب المعطيات التاريخية والثقافية والجغرافية مرتبطاً مصيرياً بالدول المجاورة له إلى الحد الذي يتشاطر فيه معظم اليمنيين شعوراً عاماً من أن التعامل الأوثق مع دول شبه الجزيرة العربية هو النهج الأفضل لتحقيق الاستقرار والنمو الاقتصادي وملء الفراغ الأمني الذي لطالما هيمن على هذه المنطقة.
وبعيداً عن الخوض في الكثير من التفاصيل فالحالة اليمنية اليوم تمثل النموذج المثالي لفشل السياسات العربية الإقليمية فإهمال بلدان الخليج اليمن هو من أنتج الفوضى وعدم الاستقرار في هذا البلد الذي يعاني اكثر من 80 % من أهله من الفقر وانعدام العمل والإحباط مع أنه كان بإمكان الدول الخليجية الاستثمار ودعم مشاريع التنمية في هذا البلد المنهك واستيعابه في إطار منظومة الأمن الخليجي ومساعدته على تجاوز مشكلاته بدلاً من تركه يصبح بمثابة برميل بارود، وقد تكون هذه النقطة أكثر أهمية أخذاً في عين الاعتبار أن ذلك قد ولد لديه الإحساس من أن الرهان على مجموع أشقائه هو رهان خاسر.
وفي مثل هذه الحالة لا يمكن للحرب أن تكون السبيل الوحيد للخلاص من معضلة اليمن فكل التضحيات التي قدمها الملايين من الجوعى والمشردين والضائعين خلال 1000 يوم من الحرب لابد وأنها من تستحق التفكير ومراجعة النفس من كل أشقاء اليمن حتى لا يكونوا شركاء في مشروع الأجهاز عليه فالمرحلة لم تعد تحتمل ضياع بلد عربي آخر وبالتالي فإن الحل يكمن في مساعدة اليمن وشعبه ليتمكن من تجاوز محنته، وذلك انطلاقا من الأسرع في إيقاف الحرب التي خلقت في داخله أسوأ كارثة إنسانية عرفها العالم في العصر الحديث وإعادة الأطراف المتقاتلة إلى طاولة التفاوض، وتسهيل التوصل إلى اتفاق سلام يستفيد منه اليمن ومنطقة الخليج ككل.
ومن هذا المنظور ينبغي أن لا ينظر الأشقاء في الخليج لليمن كمشكلة أمنية يمكن تجنب أثرها الوقتي عن طريق الحرب والمواجهات العسكرية فالآمن القومي الخليجي يقتضى الوقوف إلى جانب هذا البلد حتى يتمكن من بناء دولة مستقرة تساهم في استقرار المنطقة عموماً ومن خاض حرباً كالعاصفة عليه أن يفكر الآن في كيفية تصويب العلاقة مع هذا الجار الفقير والعمل على أن يصبح مثل هذا الجار شريكاً لا خصماً ورافداً حقيقياً على صعيد التكامل الاقتصادي والتنموي الذي يقود شعوب هذه المنطقة الى الرفاهية والرخاء والواقعية البرجماتية السياسية بدلا من بقاء ذلك البلد مجرد ثكنة عسكرية أو ساحة غارقة بالفوضى أو دولة متسولة للمساعدات والمعونات تنتظر اللحظة التي تنفجر فيها بداخلها وجوارها.

كاتب يمني