بركة البيت..

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٢٩/نوفمبر/٢٠١٧ ١٣:١٧ م
بركة البيت..

كانا في قاعة انتظار المستوصف عندما سألتها «أأذن الظهر؟» فأجابت بالنفي..

عادت لتسألها السؤال ذاته بعد خمس دقائق فأجابتها -بحدة هذه المرة- أنها ستقول لها إن حان وقت الصلاة، ثم عادت لتبحلق في هاتفها. سألتها مجددا عن شيء لم أفهمه فأجابتها بضيق بكلمة واحدة وتشاغلت عنها بهاتفها! بدا لي، وأنا أراقبهم، أن المسنة تحاول فتح حوار تُزجي به الوقت ولكن مرافقتها كانت تقمعها في كل مرة تفتح فيها فمها!
كل ما فكرت فيه وقتها هو مقدار غفلتنا عن التواصي بحق كبار السن. الذين هم اليوم أحوج من الأطفال للحنان والاسترضاء والدلال.
لاحظوا كيف يصبر المرء منا على ضوضاء أطفاله، وكيف يستقبل أسئلتهم الفجة بالابتسامة وإن كرروها 50 مرة. ولأي مدى يسترضي الواحد منا صغاره على حساب نفسه. يترك لهم التلفاز ويشاهد -صاغرا- ما يريدون مؤثرا متعتهم على متعته. يرفق بضعفهم فلا يرد لهم طلباً. يصطبر عليهم.
ويقدم حاجتهم على احتياجاته. ويسهر لعيونهم دون أن يُجبر على ذلك. هكذا نعامل الأطفال، وهكذا عُوملنا ونحن أطفال. وهكذا يجب أن نعامل كبار السن تماماً مع إضافة الاحترام والإجلال لكل ما سبق.
كبار السن الذين ترونهم؛ يعانون من كآبة خفية يمنعهم الكبرياء من الصدح بها، فقد فقدوا مناصبهم، وتغيرت ملامحهم، وتلاشت قوتهم. هؤلاء الذين ترونهم: فقدوا ويفقدون يوميا أصحابا وأقرانا عاصروا معهم حلو الحياة ومرها. يجرحهم كل فقد ويشعرهم بأنهم باتوا أقرب للموت.
فجأة؛ أصبحت أخبار الوفيات هي المكان الذي يطمئنون فيه على بعضهم البعض. إنهم فئة تطوي في نفسها أحلاما تبددت، وصفحات ندم لم تعد إعادة كتابتها واردة. كبار السن الذين حولكم حساسون بشكل مفرط. يترجمون ما يسمعون بطريقتهم الخاصة، كالمراهقين تماماً، عليكم أن تحسبوا ألف حساب لما تقولونه أمامهم. فقد تدمون قلوبهم بسبب تعليق عابر أو عتاب غير محسوب. والمفارقة أنهم، رغم تلك الحساسية، لا يمحصون في ما يقولونه لمن حولهم. فيتمظهرون بالقسوة وفي باطنهم العطف. ويضغطون على الجروح وهم يأملون تضميدها.
فكما تتجاوز عن أطفالك تجاوز عنهم. فلهم منطق غير منطقك، فلا تقع في فخ الغضب منهم وعتابهم.
في يوم ما لم يكن بعيدا. كانوا مُعيلين وهم اليوم مُعالين. كانوا أعمدة تقوم عليها حياتكم ويؤلمهم أن تتحول أدوارهم بهذا الشكل، لذا يُصاب أغلب كبار السن بالاكتئاب ويتوهمون الأمراض، فقط لأنهم عاجزون عن تقبل دورهم الجديد. وواجبنا تجاههم اليوم يتخطى بكثير توفير المأكل والملبس والدواء. فهؤلاء هم بركة البيت. وهم باب للجنة مفتوح ما بقوا في هذه الحياة. فكونوا معهم؛ أشعروهم بالحب وبأنكم تأنسون بحديثهم وإن لم يكن يعنيكم، ولا تضيقوا بأسئلتهم وإن تكررت. شاركوهم تفاصيل يومكم. املؤوا فراغ حياتهم بمهمات بسيطة. أسعدوهم كي لا ينتظروا ساعة الرحيل. فهؤلاء هم أنتم.. بعد عمر قد يطول أو يقصر..