
فريد أحمد حسن
بشكل عام يمكن القول بأن الإنسان العربي مليء بالمتناقضات؛ فهو يطالب بالديمقراطية ويكافح من أجلها وقد تطاله بسبب ذلك عقوبات يحتملها لكنه لا يطبقها في بيته بل لا يسمح بالحديث عنها، ينادي بالحريات ويحفظ من أجل ذلك الكثير من النظريات الغربية لكنه يضيق الخناق على من له سلطة عليهم ويقمعهم لو أنهم طالبوا بها، يطالب بحقوق الإنسان وتكون له صولات وجولات في المؤتمرات الدولية المعنية بذلك ويظلم من هم دونه قدرة وقوة ومكانة ويسلبهم حقوقهم من دون حياء، ولا يكتفي بهذا، لذا لا يكون صعباً عليه - أو بالأحرى على بعض هذا الإنسان - أن يقرر بأن الطريق الذي تسلكه هذه الفئة أو تلك المجموعة في عبادة الله عز وجل لا يوصلها إلى خير فيفرض عليها سلك الطريق الذي يختاره هو لها فإن رفضت اعتبرها كافرة وصار من حقه أن ينهي حياتها (كي ينقذها من ولوج نار جهنم يوم القيامة»!
لعل المثال الأبرز على ذلك ما حدث الجمعة الفائتة في مسجد الروضة بشمال محافظة سيناء في مصر، حيث أقدم من قرر أن المصلين - كونهم من المتصوفة - كفارا فأعدمهم بطريقته ومن دون أن ينتبه حتى إلى أن من قصد المسجد للصلاة إنما هو مسلم مثله، يعبد الله سبحانه وتعالى (دون أن يعني هذا أن قتل غير المسلمين جائز فليس هذا من الإسلام بشيء).
هذه المتناقضات التي يعيشها الإنسان العربي تتسبب في إيجاد حالة مجتمعية صعبة نتاجها حرمان الجميع من الاستقرار الذي من دونه لا يمكن لأحد أن ينتج مفيدا ولا يمكن للمجتمع أن يتقدم، ما يدفع إلى طرح السؤال بقوة ؛ هل يدخل هذا في باب المؤامرات الرامية إلى تحطيم المجتمعات العربية ومنعها من التطور والتحضر ولتبقى ضعيفة مهزوزة وفي آخر الصف ؟ذات مرة صليت الجمعة في أحد المساجد بإحدى الدول العربية، اهتم «الإمام» طوال الخطبة بتقسيم الناس إلى مسلم وكافر، وحدد مجموعة من المعايير تعين من يريد تصنيف الناس بهذا الشكل، مع المعيار الأول اعتبر عباد الله من المنتمين إلى كل الديانات غير الإسلامية كفارا، ومع المعيار الثاني اعتبر كل الذين لا ينتمون إلى المذهب الذي ينتمي هو إليه كفارا، ومع كل معيار جديد يشطب مجموعة من عباد الله، ولو كان زمن الخطبة يسمح بالمزيد من الكلام لتبين أنه - بناء على تلك المعايير - سيكون الوحيد الذي يستحق أن يعيش ويدخل الجنة ! للأسف فإن هناك خطباء كثر من هذا القبيل، وهناك أيضا آخرون من المؤثرين في العامة والقادرين على لي عقول البسطاء وبرمجتها، كلهم يوصلون إلى نتيجة واحدة ويوفرون لضيقي العقول الانتقال من مرحلة رفض الآخر إلى مرحلة الحكم عليه بالإعدام، لأنه لا يستحق الحياة، ولأن في ذلك تكفير له عن كفره !منذ اللحظة التي أعلن فيها عن قيام أولئك المتخلفين بالاعتداء على المصلين في مسجد الروضة بسيناء وقتل أكثر من ثلاثمائة مصل وجرح أكثر من مائة وإدخال الآلاف وربما الملايين في حالة الصدمة النفسية، منذ تلك اللحظة والعالم كله يتحدث عن المثال النقيض لذاك التفكير وذاك التوجه، ولم يبق أحد إلا واستشهد بحكمة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، حفظه الله ورعاه، وبعد نظره عندما قرر منذ اللحظة الأولى التي أسس فيها عمان الحديثة منع تصنيف البشر والتعامل معهم كبشر بغض النظر عن كل شيء، فتحدث الكثيرون في الفضائيات عن تجربة الصلاة في الجامع الكبير في مسقط، جامع السلطان قابوس، وكيف أنهم وقفوا؛ على اختلاف مذاهبهم، صفا واحدا أمام خالق واحد وخلف إمام لا يعرف أغلبهم إلى أي مذهب ينتمي ويلقي خطبة مليئة بالمنفعة ومحرضة على توحيد الصف والإخلاص في عبادة الله وخدمة البشر. السؤال الذي يشاغب الكثيرين اليوم، وبعد هذا الذي جرى في مصر، هو هل يمكن تكرار ما انتبهت له عمان مبكرا وتظفر بحصاده اليوم في الدول العربية الأخرى؟ هل يمكن أن يعيش الناس في كل هذه الدول بالطريقة التي يعيش فيها العمانيون والمقيمون في عمان؟ هل يمكن لشعوب هذه الدول أن تصير محصنة وغير قابلة للاختراق كما هو حال الشعب العماني الذي يقف من الجميع ومن كل شيء على مسافة واحدة؟
مهم جداً، والعالم العربي يعيش هذه الأزمة اليوم دراسة التجربة العمانية، أو بالأحرى المسيرة العمانية، ولعل الأمر لن يحتاج إلى أربعة عقود كي يتغير سلوك الناس في البلاد العربية الأخرى ويعود من فلت منهم إلى رشده رغم عدم توفر الأساس الذي بنى عليه جلالة السلطان برنامجه لديهم، فالعمانيون كانوا مؤهلين لمثل هذا الأمر، لكن هذا لا يمنع من الدخول في هذه التجربة شرط التخطيط لها جيدا والحرص على تنفيذها بدقة، فلعل أبناء أحفادنا في مختلف البلاد العربية والإسلامية ينعمون بحياة لا يتهددهم فيها نتاج عقل لا يؤمن بحق الآخرين في العيش والتعبد بالطريقة التي يرونها صحيحة وتوفر لهم الاتزان النفسي الذي هو الغاية من العبادات.
وكما أن الترحم على ضحايا مجزرة مسجد الروضة بسيناء واجب، فإن العمل على إصلاح الفكر المعوج الذي صار للأسف صفة لكثير من العقول العربية واجب أيضا.
• كاتب بحريني