ريكاردو هوسمان
شركات بادئة، وحاضنات، ومعجلات، ومستثمرون ملائكة، ورأسمال استثماري، وعمليات دمج واستحواذ، واكتتابات عامة أولية، ومتنزهات تكنولوجية، وجامعة كبرى أو اثنتان، ومجموعة من شركات المحاماة المتخصصة. يعتقد كثيرون أن أي كيان يستطيع أن يملك ناصية التكنولوجيا المتقدمة بمجرد بناء مثل هذا النظام البيئي، على طريقة وادي السليكون، فيُصبِح النسخة التالية من الطريق 128 في ماساتشوستس، أو المثلث البحثي في نورث كارولينا، أو إسرائيل البادئة.
ولكن في حين يدعو النجاح إلى التقليد، فإن التقليد لا يقود إلى النجاح عادة. ذلك أن الهياكل المعقدة التي تتألف من قطع عديدة مترابطة لا يمكن خلقها دون أساس حقيقي. فهي تنشأ من عمليات فريدة تعتمد على المسار، في حين يعمل كل إبداع تنظيمي على تغيير النظام البيئي، الأمر الذي يجعل تغييرات أخرى في حكم الممكن. ومحاولة استنساخ النظام البيئي الناتج عن كل هذا أشبه بمحاولة بناء جسر بلا سقالات: فهي محاولة فاشلة بكل تأكيد، لأن الهيكل لن يتحمل ثِقَله أثناء بنائه.
من الواضح أن استراتيجية الإبداع القائمة على الشركات البادئة شديدة الجاذبية. فهي تبدو ديمقراطية، ويسهل الوصول إليها، غير أن هذا الوصف ينطبق أيضا على كاليفورنيا. ولكن من المؤكد أن هذه ليست الوسيلة الوحيدة لتعزيز البحث والتطوير، وليست حتى الوسيلة الرئيسية، وهي بكل تأكيد ليست الطريقة التي ظهرت بها أغلب الإبداعات الكبرى في الولايات المتحدة في القرن العشرين. بل تكمن الاستراتيجية البديلة عند الطرف المقابل من توزيع حجم الشركة ــ مع العمل التجاري الضخم.تَعَثَّر جوزيف شومبيتر في هذين النهجين عند مرحلتين مختلفتين من حياته. فعندما نشر كتاب نظرية التنمية الاقتصادية في العام 1911، في سن الثامنة والعشرين، أَكَّد أن الإبداع يأتي من روح رجال الأعمال الريادية في إطار عملية من التدمير الخلّاق. وبحلول العام 1942 أدرك شومبيتر، عندما نشر كتاب الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية في التاسعة والخمسين من عمره، أن قدرا كبيرا من الإبداع كان آتيا من شركات بالغة الضخامة ولم تواجه غير قدر محدود من المنافسة.
وتُعَد شركة الهاتف والتلغراف الأمريكية (ايه تي & تي)، ومختبرات بِل التابعة لها، مثالا نموذجيا هنا، وهي قصة النجاح التي رواها بكل دقة جون جيرتنر في كتابه الصادر العام 2012 بعنوان «مصنع الأفكار». كانت الأبحاث والاكتشافات والمنتجات التي قدمها هذا الكيان المنفرد مذهلة: ليس فقط المرحلات والموزعات الجديرة بالثقة للخطوط الهاتفية الأرضية، بل وأيضا الرادار، وتطبيقات الليزر المختلفة، والترانزيستور، والدوائر المتكاملة، وجهاز الفاكس، واتصالات الأقمار الصناعية، ونظرية شانون للمعلومات، والنظرية الحسابية، ومراقبة الجدوى «سيكس سيجما»، بل وحتى إشعاع الميكروويف الكوني. وقد حدث كل هذا داخل شركة بالغة الضخامة، والتي كانت قادرة على توفير المختبر بفضل احتكارها للهاتف المحلي والمعدات المستخدمة لتقديم الخدمة، والتي تم تصنيعها بواسطة شركة تابعة لشركة ايه تي & تي، وهي ويسترن إلكتريك.
كان موقف شركة ايه تي & تي الاحتكاري موضوع جدال دائم في البيئة التنظيمية الأمريكية الداعمة للمنافسة. ولهذا، كان لزاما على الشركة أن تكسب الحق في أن تكون احتكارية من خلال التحسين الدائم لخدماتها واستغلال قدراتها البحثية لتحقيق أغراض وطنية مثل الدفاع العسكري. ولتجديد ميثاقها الشركاتي في العام 1956، اضطرت حتى إلى الموافقة على ترخيص جميع براءات الاختراع القديمة بدون تقاضي رسوم حقوق الملكية وترخيص كل براءات الاختراع الجديدة بتكلفة زهيدة. ومع اضطرار الشركة إلى أن تكون احتكارية، كان لزاما عليها أن تقدم احتكارا يستفيد منه المجتمع ككل، وليس المساهمين فقط، من خلال بحوث خارقة.
ربما يكون تنظيم البحث والتطوير داخل شركة كبيرة أقل صعوبة من محاولة توليد النظام البيئي المعقد الذي يحتاج إليه نهج المشروعات البادئة (ولعل هذا هو السبب الذي جعل الأول يسبق الثاني تاريخيا). وقد يكون اكتساب القدرة على الوصول إلى التمويل، والموارد الإدارية، والحضانة، والتعجيل، والإشراف، والخبرة المتراكمة أسهل كثيرا. وربما تكون الشركات الضخمة أكثر صبرا من أصحاب رؤوس الأموال الاستثمارية والمستثمرين الملائكة ــ وبالتالي أكثر استعدادا لخوض المجازفات والرهان على مشاريع أطول أمدا، كما فعلت شركة ايه تي & تي.
هذه ليست مجرد قصة من القرن العشرين. فالقسم الأعظم من البحث والتطوير اليوم يتأتى داخل الشركات الكبرى. وأكبر شركات البحث والتطوير في العالم، قياسا على ميزانياتها،، هي فولكس فاجن، وسامسونج، وإنتل، وميكروسوفت، وروش، ونوفارتيس، وتويوتا، وجونسون & جونسون، وميرك. ولا تعمل أي منها خارج مرأب الأب في حين تنتظر ضخ رأس المال الاستثماري.
الواقع أن تنمية القدرة على البحث والتطوير تشكل ضرورة أساسية للعديد من الشركات المتوسطة الدخل، ويتولى كل من البنك الدولي وبنوك التنمية الإقليمية تقديم برامج للمساعدة في هذا الصدد. وفي أغلب الأحيان، تكون هذه البرامج مستلهمة من ثقافة المشاريع البادئة في وادي السليكون. ومن بين الأمثلة على ذلك الشركات البادئة في شيلي، و»روتا إن» في كولومبيا، والتي تحاول خلق أنظمة بيئية معقدة من الصِفر.
ومن ناحية أخرى، أعطت دول مثل شيلي وكولومبيا تصريح مرور مجانيا لتكتلاتها الكبيرة، وهو ما قد يكون النواة للنهج الأكثر تقليدية والذي يتمحور حول الشركات. على سبيل المثال، كانت شركة بي إتش بي بيليتون، وليس شركة كوديلكو المملوكة للدولة أو شركة أوتوفاجاستا ذات الملكية الخاصة، هي التي أطلقت جهود البحث والتطوير لدعم تكنولوجيات التعدين في شيلي.
على نطاق أوسع، لا تفتقر الدول المتوسطة الدخل إلى الشركات التي تمتلك موارد مالية وإدارية كبيرة ووفرة من القوة في السوق. لكن هذه الشركات كانت غائبة غالبا عندما يتعلق الأمر بالإبداع والبحث والتطوير، كما أظهرت دراسة حديثة أجراها بنك التنمية بين الأمريكيتين.
عندما تخطط المجتمعات لاستراتيجيات البحث والتطوير، يتعين عليها أن تجد السبل اللازمة لإقناع أكبر شركاتها بالدخول في صفقة أشبه بصفقة ايه تي & تي. وإذا كان للمواطنين أن يتسامحوا أو حتى يدعموا قوة هذه الشركات، فيتعين على الشركات أن تستخدم قوتها على النحو الذي يعود على المجتمع بفوائد ضخمة. وتشكل ميزانياتها المخصصة للبحث والتطوير، وتاريخ براءات الاختراع، وإبداعاتها، جزءا مما ينبغي لها أن تتباهى به بين عامة الناس.
الحق أن السياسة العامة الأكثر تحديا ربما تعمل على توليد قطاع شركاتي أكثر ديناميكية. وفي حالة ايه تي & تي، كان التهديد البادي في الأفق والمتمثل في الانهيار أو تصفية الاستثمارات قسرا هو الدافع الذي أفضى إلى النتيجة المرجوة. على الرغم من التكتلات الضخمة في الأسواق الناشئة، فلَم يُجَرَّب على الإطلاق، على حد معلوماتي، نهج «الحب الخشن» بدلا من مجرد زيادة الحوافز الضريبية، خارج كوريا الجنوبية. وقد يكون اقتراحا مربحا للجميع، حتى للشركات البادئة.
وزير التخطيط الأسبق في فنزويلا