علاقات العمل.. في ظل المتغيرات الدولية

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٢٧/نوفمبر/٢٠١٧ ٠٥:١٩ ص
علاقات العمل.. في ظل المتغيرات الدولية

محمد محمود عثمان

يشهد العالم اليوم تغيرات كبيرة تتمثل في انخفاض معدلات النمو وارتفاع في مستويات البطالة، واضطراب في علاقات العمل، التي لن تظل ساكنة كما كانت من قبل، لأن المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي طرأت على المجتمعات في السنوات الأخيرة، بدأت تلقي بظلال كئيبة على أسواق العمل العربية، خاصة التي كانت تعتمد اعتمادا مباشرا على عوائد النفط.

وتأثرت بذلك، العلاقات بين أطراف الإنتاج الثلاثة، وتطبيقات معايير العمل الدولية، التي تخلت الكثير من الدول عن تطبيقها أو الوفاء بالالتزامات التي تفرضها تلك المعايير، لمواجهة تحديات ظروف سوق العمل التي تواجه الشباب بعد الأزمة الاقتصادية القائمة.

نشهد اليوم، تسريحاً جماعياً للعمال وتخفيضات في الأجور بنسب مختلفة، وفرض إجازات بدون مرتب على البعض لمدد تصل إلى ستة أشهر، أو فصلهم من العمل، لذلك تتفاقم المشاكل مع وجود طوابير الباحثين عن عمل التي تتزايد كثافتها عاما بعد آخر، مضافا إليها جحافل الخريجين من مراحل التعليم بمختلف مستوياتها، بعد ما ساعدت التكنولوجيا الحديثة في ظهور أنماط جديدة من الأعمال أدت إلى خلق علاقات عمل غير تقليدية تقل فيها بشكل كبير الحماية القانونية للعاملين، وربما تنعدم فيها الرقابة الجادة على العاملين، فأثر ذلك على العلاقة بين أطراف الإنتاج الثلاثة، وأصبحت علاقات العمل تواجه العديد من التحديات المعقدة، التي ألقت بظلالها على أسواق العمل في الدول العربية، وتأثر شركات القطاع الخاص سلبيا من ذلك، خاصة مع محاولة الحكومات حل مشاكل الباحثين عن عمل، في ظل المتغيرات والأحداث المتلاحقة التي تشهدها المنطقة العربية، وما أفرزته من تحديات على كافة المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ومن هنا تظهر أهمية مناقشة سبل تكييف علاقات العمل مع الواقع الجديد لسوق العمل، ولذلك لابد من تدخل فاعل من قبل المنظمات الدولية والنقابات العمالية لحماية حقوق العمال وحقوق الشركات وقدرتها على التوظيف، والحد من المنازعات العمالية، وإنشاء صناديق استثمارية لصالح العمال، لضمان مستوى لائق من الحياة لهم ولأسرهم عند طردهم من العمل، والتأكيد على ضرورة تطوير تشريعات العمل المنظمة للعلاقة بين أطراف الإنتاج، لتواكب متطلبات المرحلة الراهنة، وتمكين كل عامل من الحد الأدنى للدخل، وتضمن توازن المنافع المتبادلة لكل من العمال وأصحاب الأعمال، ولا سيما أن التكنولوجيا الحديثة قد ساعدت في ظهور أنماط جديدة من الأعمال، أدت إلى إيجاد علاقات عمل غير تقليدية بآليات جديدة، تقل فيها بشكل كبير الحماية القانونية للعاملين، مما أثر بشكل كبير على العلاقة بين أطراف الإنتاج الثلاثة.

الأمر الذي يتطلب تطوير الآليات كافة التي تنظم علاقات العمل، وسرعة العمل بمشروع الشبكة العربية لمعلومات أسواق العمل، الذي تتبناه منظمة العمل العربية، من خلال البروتوكولات الثنائية التي تتم مع أطراف الإنتاج الثلاثة ودوائر الإحصاءات في الدول العربية لإيجاد آلية مُشتركة للحصول على البيانات والمعلومات والدراسات المتعلقة بأسواق العمل، التي تساعد على ربط وتكامل أسواق العمل العربية، ومساعدة متخذ القرار على وضع خريطة طريق، لاستيعاب الأيدي العاملة العربية، في ظل التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تشهدها المنطقة العربية، التي تتطلب اعتبار موضوع التدريب المهني أحد الركائز الأساسية للتنمية المستدامة 2030، وأحد الحلول لكسر الفجوة بين مخرجاتِ التعليم ومتطلبات سوق العمل، والتركيز على برامج التأهيل والتدريب المهني خدمة لأطراف الإنتاج، من خلال التطوير المستمر لمناهج التعليم والتدريب لتواكب متطلبات أسواق العمل وأنماط التشغيل الحديثة، وهذا لا يتأتى إلا من وجود شراكة حقيقية بين المؤسسات التعليمية ومؤسسات القطاع الخاص، والاهتمام بالمهن المرتبطة بالاقتصاد المعرفي وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، إلى جانب تكريس ثقافة العمل الذاتي، لتشجيع جيل الشباب على العمل الحر، ودعم مشاريع ريادة الأعمال، وتفعيل روح المبادرة والإبداع والابتكار، ونشر هذه الثقافة في المجتمع لتساهم الأسرة العربية بدورها في تشجيع أبنائها وبناتها على الانخراط في العملية التنموية، لأن ذلك سيحقق الاستقرار ويخلق مناخاً ملائماً للاستثمار، وتحقيق السلام والأمن الاجتماعي في المجتمع الأمر الذي ينعكس على توفير فرص عمل جديدة، ما يساعد في الحد من البطالة المتزايدة والمتراكمة التي أصبحت تمثل عبئا كبيرا على كاهل الحكومات.