نواف إبراهيم
التطورات الحالية التي تحيط بمنطقة الشرق الأوسط لم تعد تسمّى تطورات في واقع الأمر، وفق المتغيرات الميدانية والسياسية وفي ظل تبدل موازين القوى والخطط الاستراتيجية على الصعيدين الإقليمي والدولي.
هذه المستجدات لا يمكن أن يطلق عليها سوى مصطلح التهورات لأنه زوراً وبهتانا يعّلق بها مصطلح التطورات، لأن التطورات هي المتغيرات التي يمكن البناء عليها نحو الأفضل حتى ولو على أساس الاستفادة من مناحيها السلبية ومن هنا قد يكون جاء بالأساس معنى كلمة التطور والتقدم.
نعم التهورات لأن التهور الحاصل في هذه المنطقة والذي بات يمتد إلى دول الإقليم والعالم ويظهر بين الفينة والأخرى بأشكال متعددة ومتغيرة من الأحداث تارة كبيرة ومتشعبة وتارة أخرى صغيرة، وتنتقل من مكان إلى مكان في لحظات على مساحة جغرافية بتواتر يسبق سرعة الصوت معظم الأحيان دون أي استشعار دقيق يسبقها، ولا تظهر بعض التهورات أمام هول غيرها من الأحداث ليس لأنها صغيرة بل لأن ما يحيط بها من صعود وهبوط مفاجئ لا يعطي الفسحة أو الوقت الكافي ولا حتى سرعة تجميع صورها لتمكين المرء من رؤية ملامح ما يجري على أقل تقدير إن لم يكن يريد رسم صورة متكاملة يبنى عليها رؤية منطقية تنتج عنها فكرة موضوعية لتقييم الواقع المحيط وقد تكون هذه الحالة الناتجة لا تنم عن جهل أو عدم دراية وإنما نتيجة لتسلسل أحداث مرسومة بعناية فائقة لا يمكن التكهن بماهيتها بسهولة مهما توفر من معطيات تخدم فهم مكنوناتها في الوقت المناسب لإيجاد صيغة سليمة للتعامل معها أو على الأقل لتجنب ما يمكن أن ينتج عنها، كمن يجلس على إحدى ألعاب الرعب في مدينة الملاهي.
نعم مدينة الملاهي ولا يمكن أن نشبّه ما يجري في هذه الأيام للمنطقة والعالم إلا بمدينة ملاهي كبيرة تجمع عدداً غفيراً من الناس من مختلف الأشكال والألوان والأوزان والأجناس ولكل منهم هدف من اللعب في هذه الألعاب الخطرة بعضهم يتكل على الغيب لعله يريح نفسه من هم أو غم أو ينسى إذا ما تطايرت أفكار الشر والحزن من رأسه مع أول دورة جنونية في لعبة الرعب هذه أو تلك، وبعضهم جاء لأنه يتوقع بأنه على موعد مع الشر ويريد أن يراه ليخاطبه لعل اللعنة بذاتها تحول أو تزول عنه، العد يطول والشرح قد يكون أطول إذا ما تحدثنا بإسهاب عن كل فئة من هذه الفئات التي تدور في قلب الملاهي التي يتساوى فيها الجميع في ممارسة حق الجنون والمغامرة بغض النظر عن نيته وهدفه من القيام بذلك أو ما يمكن أن يتبعه من أثار بفعل حادث أو ضعف البنية الجسدية التي يظهر فيها الوجع في حينه أو فيما بعد، الوحيد الذي يحقق مكاسب من هذه الألعاب هو صانعها وشركائه وبعض من فتات الرواتب يحصل عليها مخدّمو مدينة الملاهي بمختلف وظائفهم ومناصبهم من المدير إلى أصغر عامل، هم من يتقاسم غنائم هذه الملاهي، قد يكون هذا التشبيه أقرب تشبيه يمكن أن نصف به حال العالم في هذه الأيام، فقد حولت الولايات المتحدة هذا العالم إلى مدينة ملاهي يملاؤها الرعب والخوف والحزن والفرح بأن واحد وعلى هذا الأساس تحقق المكاسب المادية وما يلحقها من مكاسب أخرى لها علاقة مباشرة وغير مباشرة بنتائج اللعب والمغامرة وكل حسب هواه ورغبته.
لا أعتبر ما تقدم أنّه مقدمة لا بل هو روح السياسة الشيطانية التي تمارسها قوى الإمبريالية العالمية ووحش الرأسمالية وتقوده في الخفاء عصابة تاريخية من حيتان المال والاقتصاد والسلاح والتجارة العابرة للقارات، هذه العصابة يزيد عمرها عن 300 عام استعبدت خلالها البشرية حتى يومنا هذا، واختلفت أشكالها وتسمياتها ومواطنها ومراكز قياداتها وحتى اختلفت مع تغير الزمن أهدافها واستراتيجياتها، الكل يتحدث عنها ولكن حتى اللحظة لا أحد يعلم عن هذه القوة سوى القشور وليست أصلاً القشور التي تتغلف بها بل القشور التي تتخلص منها في فترات زمنية متلاحقة أو مبرمجة ومدروسة بدقة فائقة لترميها لنا وتلهينا عن متابعة وجهات زحفها، فنأخذ هذه القشور المشبعة بعسل المعرفة التي نظن ونقوم بعلكها بالحديث عن شيء مضى وفات ومات وهكذا دواليك نتلبع مخرجات المضغ بلذة وبنشوة العارفين المطلعين المكتشفين في الوقت الذي تسير فيه هذه القوة كالحرباء في مسار غامض جديد تحدده أهدافها وإستراتيجياتها في استعباد واستثمار البشرية بأشكال متعددة تطورت في العقود الأخيرة إلى سلوكيات همجية جهنمية تقوم بها قوى بديلة صنعتها بأيدينا وأخرجتها من عقول وأفكار بعضنا الذي تم غسل عقله بالتلوث القومي والسياسي والثقافي والاجتماعي.
جاءت لنا بديمقراطية طفت سفنها على دماءنا المهدورة بفتاوى مصاصي الدماء والمتعطشين للسلطة بكافة ألوانها جرّاء ما وقعت فيه هذه العصابة من متاهات بعد أن حشرت أنفها في منطقة الشرق الأوسط بشكل سافر وهي على ثقة وكأن الهدف محقق في هذه المرة ككل مرة تنتج لنفسها مشروعاً إستراتيجياً يؤمن ديمومتها مئة عام قادمة فلم تعد هناك حاجة إلى وعد بلفور جديد بما أن أرضية الجهل والحقد وعمي البصر والبصيرة متوفرة وبكثافة، وامتداداً لذلك عاث الخراب في مراكز التوازن في الشرق الأوسط فهل ستقدر هذه القوى إختراق الحواجز.
القادمات من الأيام سوف تتغير فيها ملامح العالم وستكون أجمل بالرغم من شناعة لوحة القتل والدمار والدماء التي يضرّج بها وجه العالم الجديد المبتسم رغم الألم، لتعود قوى الشر المنكسرة إلى جحورها المظلمة في محاولة لاستعادة قوتها لتغزو العالم من جديد، ومن هنا لابد من استخلاص العبر والعمل بكل قوة لردم المستطاع من هذه الجحور على من فيها لإنقاذ البشرية من هول قادم مجهول.
نقلاً عن موقع سبوتنيك الروسي