
مانويل مونيز
يبدو أن بيانات الاقتصاد الكلي القادمة من الاقتصادات المتقدمة في العالم ربما تكون غامضة عندما ننظر إلى كل منها بمعزل عن غيرها. ولكن عندما يجري تحليلها بشكل جماعي، تكشف هذه البيانات عن حقيقة مزعجة: فإذا لم تتغيّر كيفية توليد الثروة وتوزيعها فسوف تشتد حِدة التشنجات السياسية التي اجتاحت العالم في السنوات الأخيرة. ولنتأمل هنا على سبيل المثال الأجور وتشغيل العمال. في الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية، ظل متوسط الرواتب راكداً، رغم تعافي أغلب الاقتصادات من الأزمة المالية التي اندلعت في العام 2008 فيما يتصل بالناتج المحلي الإجمالي ونمو الوظائف.
وعلاوة على ذلك، لم تؤدِ الزيادات في تشغيل العمال إلى تباطؤ أو تراجع انخفاض حصة الأجور في الدخل الوطني الإجمالي. بل على العكس من ذلك، ذهبت أغلب الثروة التي نشأت منذ أزمة 2008 إلى الأثرياء. وربما يفسر هذا مستويات الاستهلاك المتدنية التي تميّز أغلب الاقتصادات المتقدمة، وفشل السياسة الضريبية مفرطة التساهل في دفع التضخم إلى الارتفاع.
على المستوى الكلي، تزايدت الإنتاجية الكلية في الولايات المتحدة بأكثر من 250% منذ أوائل سبعينيات القرن العشرين، في حين ظلت الأجور عن الساعة راكدة. وهذا يعني أن نمو الإنتاجية لم يكن متركزاً ضمن مجموعة ضيقة من الشركات فحسب، فقد حدث أيضاً انفصال بين الإنتاجية ودخل سوق العمل. والنتيجة الأساسية المترتبة على ذلك هي أن الأجور لم تعد تلعب الدور المركزي في إعادة التوزيع الذي لعبته لعقود من الزمن. الأمر ببساطة أن المكاسب في إنتاجية رأس المال لا تترجم إلى دخول متوسطة أعلى، ما يُعَد خرقاً للعقد الاجتماعي الذي تقوم عليه الاقتصادات الليبرالية.
ينبغي أن يكون من الواضح الآن أن العديد من اقتصادات العالَم تمر بشكل ما من أشكال التغيّر البنيوي، وفي أعقاب هذا التغيير، انحرف مثلث التوزيع، «الوظائف والإنتاجية والدخل». وقد أدى هذا التحوّل في النموذج إلى تآكل الطبقة المتوسطة الغربية وظهور طبقة «البريكاريا»، وهي طبقة اجتماعية اقتصادية جديدة لا تشمل أولئك الذين لا يستطيعون العثور على وظائف فحسب، بل وتشمل أيضاً أولئك الذين يعملون بشكل غير رسمي أو عَرَضي أو الذين يفتقرون إلى الأمان الوظيفي.
الآن، أصبحت لدينا أدلة وفيرة تربط بين مفهوم انعدام الأمان الاقتصادي في الغرب والمشاعر المعادية للنخبة، والتطرف السياسي، والهجمات على الأقليات. ومن المستحيل أن نفسر الارتفاع الأخير في السياسات الشعبوية من دون أن نضع في الاعتبار التأثيرات التي تخلّفها هذه الأمراض الاقتصادية على العامل المتوسط في الولايات المتحدة وأوروبا.
حتى يتسنى لنا أن نفهم سبب حدوث هذه الانحرافات عن المسارات الاقتصادية المتوقعة، فما علينا إلا أن ننظر إلى التأثير الذي تخلّفه التكنولوجيا على الوظائف.
الواقع أن تشغيل الوظائف الروتينية آليا (الأتمتة) يدفع استقطاب سوق العمل. ولم تتبقَّ سوى المهمات التي يصعب تشغيلها آلياً والتي تتطلب مهارة ضئيلة أو معدومة أو المهمات التي يصعب تشغيلها آلياً والتي تتطلب مهارات عالية للغاية. وعدد النوع الثاني من الوظائف أقل كثيراً من النوع الأول، ويتصادف أنها توجد في الشركات الحدودية التي تستفيد من التأثيرات المترتبة على التكنولوجيا للتفوّق على أداء المنافسين المباشرين، والتوسع إلى أسواق جديدة.
إن الحصول على العلاجات أصعب من التوصل إلى التشخيص. فمن غير الواضح على سبيل المثال ما إذا كان تطبيق العلاجات الاقتصادية القديمة كفيلاً بعكس الاتجاهات الحالية. وربما يتسبب دفع «الإصلاحات البنيوية» وتصميم سياسات الاقتصاد الكلي ضيقة الأفق التي تستهدف حصراً زيادة الإنتاجية في إرغام العمال الغربيين على التنافس مع التكنولوجيا بدرجة أعظم، مما يزيد من هشاشة الوضع وخطورته. وربما تتمكن ترتيباتنا الاقتصادية الحالية من إنتاج النمو على المستوى الكلي فقط، في حين تدفع مستويات معيشة أغلب الناس إلى التدني.
لقد بدأت المناقشات حول الحلول للتو. وسيتطلب تقليص فجوة التفاوت الاقتصادي إصلاح التعليم والضرائب، مع تحويل العبء الضريبي بشكل حاسم من العمل إلى رأس المال. وستحتاج الدول الغربية أيضاً إلى إيجاد آليات توزيع جديدة لتكميل الدور المتدني للأجور في اقتصاداتها.
الواقع أن الحجة التي تسوقها البيانات لصالح مثل هذه الإصلاحات دامغة. فإذا كان لقادة الغرب أن يتمكنوا من احتواء التشنجات السياسية التي تعاني منها بلدانهم الآن، وقمعها في نهاية المطاف، فليس أمامهم بديل غير صياغة نماذج نمو جديدة وشاملة.
عميد كلية IE للعلاقات الدولية في مدريد، وكبير باحثين مشارك في مركز بلفر للعلوم والشؤون الدولية التابع لجامعة هارفارد
مانويل مونيز