التدريب ومواءمة احتياجات السوق

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٣/نوفمبر/٢٠١٧ ٠٥:٠٣ ص
التدريب ومواءمة احتياجات السوق

محمد محمود عثمان

نحن أمام معادلة صعبة متعددة الأطراف، جوهرها هو البحث عن أولويات وآليات المواءمة بين مخرجات التعليم والتدريب التقني والاحتياجات الفعلية لسوق العمل، ومن هنا تأتي صعوبتها، ولكن الأصعب أن المشكلة تتراكم عاماً بعد آخر، حتى أنها تزداد تعقيداً مع مرور الوقت في ظل متغيّرات تفرض تأثيراتها السلبية، مثل النظام التعليمي وآليات التدريب المتاحة وإمكانياتها، والاحتياجات المتجددة لسوق العمل والقطاع الخاص، وافتقاد ثقافة العمل المهني التي تحتاج إلى التأصيل في مجتمعاتنا العربية والخليجية تحديداً. وأخطر ما في ذلك هو استمرار النقص الشديد في الأيدي العاملة الوطنية الماهرة والمدرَّبة القادرة على تحمّل مسؤوليتها في سد احتياجات السوق والمشاركة في عمليات التنمية الاقتصادية المستدامة، رغم تزايد حجم البطالة وأعداد الباحثين عن عمل، والداخلين الجدد سنوياً إلى سوق العمل، وكلها تشكل عناصر ضغط على المجتمعات في أوقات الأزمات الاقتصادية، لما لها من تأثيرات سلبية اقتصادية وسياسية واجتماعية، قد تصل إلى حد كارثي، ولاسيما في حالات التفاعل من خلال وسائل التواصل الاجتماعي غير المنضبطة في أدائها، باعتبارها قنابل موقوتة قابل للانفجار بدون سابق إنذار. لذلك نحن في حاجة إلى تفعيل دور منظمات أصحاب الأعمال والقطاع الخاص لتطوير منظومة التشغيل والتدريب والتعليم التقني والمهني وإيجاد الحلول التي تساعد صانعي السياسات لتطوير هذه المنظومة في الدول العربية كافة وبدون استثناء، حيث إن بعض أسواق الخليج تشهد اتجاهين متضادين هما: تزايد عدد العمال الأجانب المستقدمين، وتنامي عدد العاطلين أو الباحثين عن عمل، نتيجة للخلل في منظومة إدارة التنمية البشرية، وعدم القدرة على توجيهها وفق الاحتياجات الفعلية للسوق، وعدم رفده بالأيدي العاملة التي تتمتع بدرجة مناسبة من المهارة والمهنية التي يطلبها السوق، الذي يعاني من فجوة سحيقة بين العرض والطلب التي اختلت معها معايير التوازن بغياب الوجود الإيجابي للأيدي العاملة الوطنية وفي المقابل زيادة حدة أعداد المتعطلين والباحثين عن عمل، في ظل متغيّرات العصر الحديث وتشابكها وسرعة إيقاعها، الأمر الذي وضع مؤسسات التعليم والتدريب التقني والمهني في واقع غير مسبوق أمام تحديات جديدة، لا تستطيع الأنماط التقليدية للتعليم أن تواجهها بسهولة، مما يستوجب البحث عن خطط وآليات لتقليص الهوة بين ما يتم تعليمه والتدريب عليه في مؤسسات التدريب والتعليم، وبين متطلبات جهات التشغيل والتوظيف والاستخدام في السوق، وخاصة أن الارتباط بسوق العمل يقع في إطار ديناميكي سريع، من حيث العملية التعليمية، ثم الارتباط بالعولمة وبتقوية معايير التنافس، من خلال التدريب الفعال في إعداد وتأهيل الموارد البشرية العربية بشكل يجعلها قادرة على المنافسة العالمية، والتركيز على التدرُّب المستمر والفعال خلال الدراسة، بل وبعد التخرج، ثم على رأس العمل، إيماناً بأهمية ودور التدريب الفعال في إعداد وحسن تأهيل القوى البشرية، بشكل يجعلها قادرة على التفوّق والمنافسة العالمية، والاستفادة الجيّدة منها في التصدير إلى الأسواق المجاورة، أو عندما نصل إلى الوضع الذي يؤهلنا إلى الاندماج أو تكامل أسواق العمل، لذلك علينا سرعة تطوير المفاهيم حول دور التعليم والتدريب التقني والمهني في تطوير اقتصاد المعرفة، وتنمية تشغيل الشباب في البلدان العربية، وأهمية منظومة الإرشاد والتوجيه المهني كعملية مستمرة في دعم وتأهيل الشباب العربي، والمهني ودعم مشاركتهم في النشاط الاقتصادي،

فضلاً عن الدور التوعوي والتثقيفي لتشجيع القوى العاملة على مواصلة التدريب لمواكبة التكنولوجيا الحديثة وتعزيز دور القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني في جودة نظم وبرامج التدريب بمستوياتها المختلفة.

لأنه بالنظرة المتأنية لواقع برامج التعليم والتدريب التقني والمهني في البلدان العربية، نجد أنه يغلب على المناهج طابع التركيبة التقليدية، من حيث المتطلبات الأكاديمية العامة والتخصصية والتدريبية، التي لا يمكن أن تقود المجتمع إلى الأمام؛ نظراً لعدم الاستفادة القصوى من طاقات الموارد البشرية المُهدرة في سنوات التعليم النظري، والتي بدونها لا يمكن أن تبني المجتمعات تقدمها في مختلف القطاعات، رغم المخصصات والموازنات المالية الضخمة التي تُرصد وتُنفق سنوياً على منظومة التعليم والتدريب، ولا شك أن تصحيح هذه المنظومة لا يمكن أن ينجح من غير دور إيجابي لمنظمة العمل العربية، بما لديها من خبراء ومتخصصين، وعلاقات مع منظمة العمل الدولية، في تنقية المناهج والبرامج التدريبية، لتواكب متطلبات المستقبل، وذلك بمشاركة وزارات التعليم والقوى العاملة والشباب والإعلام، واتحاد الغرف العربية التجارية والصناعية والاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب،
من خلال ما لديها من خطط واستراتيجيات وموازنات وإمكانات مادية وكوادر بشرية، تمتلك الخبرات والمهارات التي تساعد في هذا المجال، ومن ثم يمكن تحقيق ولو قدر بسيط من المواءمة بين التدريب المهني والتقني والاحتياجات الفعلية لسوق العمل.

محمد محمود عثمان

mohmeedosman@yahoo.com