التخلف عن سداد الديون

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠٩/نوفمبر/٢٠١٧ ٠٣:٤٤ ص
التخلف عن سداد الديون

كارمن راينهارت

كانت فترات الرواج والركود في تدفقات رأس المال الدولية وأسعار السلع، فضلا عن تقلبات أسعار الفائدة الدولية، مرتبطة منذ زمن بعيد بالأزمات الاقتصادية، وخاصة ــ ولكن ليس بشكل حصري ــ في الأسواق الناشئة. ويختلف «نمط» الأزمة باختلاف الزمان والمكان. في بعض الأحيان ربما يتسبب «التوقف المفاجئ» لتدفقات رأس المال في إشعال شرارة انهيار العملة، وفي أحيان أخرى اندلاع أزمة مصرفية، وفي كثير من الأحيان التخلف عن سداد الديون السيادية.

كان تأثير هذه القوى العالمية على الاقتصادات المفتوحة، وكيفية إدارتها، موضوعا متكررا للمناقشة بين صناع السياسات الدولية لعقود من الزمن. ومع احتمال قيام بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي برفع أسعار الفائدة في الأمدين القريب والمتوسط، فقد لا يكون من المستغرب أن يُكَرَّس المؤتمر البحثي السنوي الثامن عشر لصندوق النقد الدولي، الذي من المقرر أن يعقد في الثاني إلى الثالث من نوفمبر، لدراسة ومناقشة الدورة المالية العالمية وكيف تؤثر على تدفقات رأس المال عبر الحدود.

كان ارتفاع أسعار الفائدة الدولية من الأخبار السيئة عادة في نظر الدول حيث تعتمد الحكومة و/‏أو القطاع الخاص على الاقتراض من الخارج. ولكن في العديد من الأسواق الناشئة، بدأت الأوضاع الخارجية تزداد سوءا في عام 2012 تقريبا، عندما تباطأ نمو الصين، وانخفضت أسعار السلع الأساسية، ونضب معين تدفقات رأس المال ــ وهي التطورات التي أشعلت شرارة موجة من انهيارات العملة التي شملت كل المناطق تقريبا.
في عملي الأخير مع فنسنت راينهارت وكريستوف تريبيش، أوضح أن هذا «الركود المزدوج» (في السلع الأساسية وتدفقات رأس المال)، أدى على مدار القرنين الفائتين إلى ارتفاع حالات التخلف عن سداد الديون السيادية، مع تأخر يمتد عادة من سنة إلى ثلاث سنوات. ولكن مع ذلك، منذ بلغت أسعار السلع الأساسية وتدفقات رأس المال ذروتها في العام 2011، لم ترتفع حالات التخلف عن سداد الديون السيادية في مختلف أنحاء العالم إلا قليلا.
وفي حالة استخدام النموذج المتناسب مع مائتي عام تقريبا من البيانات للتنبؤ بحصة الدول في التخلف عن السداد، فإن التنبؤات تكون أعلى كثيرا مما تحقق بالفعل حتى يومنا هذا. وهذه هي الحال عندما يتعلق الأمر بغياب التخلف عن سداد الديون.
ومكمن الخطر هنا، كما تؤكد دراستنا، في وجود قياس غير صحيح محتمل لحدوث تخلف «حقيقي» عن السداد، والذي لا يمكننا أن نبدأ في تحديده كميا في الوقت الحالي ــ وهو تحديدا، التخلف عن السداد أو المتأخرات المتراكمة على القروض الصينية. ارتفع إقراض الصين للعديد من الأسواق الناشئة، وخاصة تلك المنتجة للسلع الأساسية، بشكل كبير خلال الطفرة الأخيرة. ورغم أن أغلب هذا الإقراض أتى من مصادر صينية رسمية، فإن قسما كبيرا منه لا ينعكس في بيانات البنك الدولي، وربما تكون مبالغ غير معلومة لم تسدد أو في هيئة متأخرات مطولة.
تصف هذه الحال الوضع في عدد من الدول الأفريقية المنتجة للسلع الأساسية وفنزويلا. ففي حين تواصل شركة النفط التي تديرها الحكومة الفنزويلية سداد أقساط سنداتها الخارجية (ولهذا السبب لا يظهر التخلف عن السداد في دفاتر وكالات التصنيف الائتماني)، فإن الديون المستحقة للصين من المفهوم أن تكون في هيئة متأخرات.
إذا نحينا قضايا القياس جانبا، فهناك نمطان لتفسير غياب حالات التخلف عن سداد الديون. الأول هو أن اقتصادات الأسواق الناشئة أكثر مرونة وقدرة على الصمود هذه المرة. وقد جرى التأكيد على هذا الرأي، الذي يشير إلى تحول بنيوي، في أوائل أكتوبر في إطار واحد من أكثر اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي السنوية تفاؤلا في الذاكرة الحديثة، وقد تردد صدى الرسالة في تقرير خاص في مجلة إيكونوميست بعنوان «التحرر من الخوف المالي».
تشير دراسات حديثة إلى أن السياسات المالية والنقدية الأقل تقلبا وتدابير الاقتصادي الكلي التحوطية الأكثر قوة خلال مرحلة التدفق إلى الداخل أو الطفرة ربما وضعت الدول عل أساس أكثر صلابة مما سمح لها بالتغلب على الانتكاسات المفاجئة لتدفقات رأس المال. في الماضي كان من الشائع تماما أن يقنع صناع السياسات أنفسهم بأن أي طفرة في أسعار السلع الأساسية، وما يصاحبها من ارتفاع في العائدات الحكومية، لابد أن تكون دائمة. ومن ثَم، ترتفع نفقات الحكومة خلال الطفرة، ولكنها تعود إلى الانخفاض بشكل حاد مع تدني العائدات مع انخفاض أسعار السلع الأساسية. وبعيدا عن تراجع التدابير المتماشية مع التقلبات الدورية، يبدو أن سياسات التحوط الكلي وضوابط رأس المال تساعد على كبح حدة طفرات الائتمان الكلي وفقاعات الأصول، مع عمل السياسات القائمة خلال الطفرة على تعزيز الصمود الاقتصادي خلال فترة الركود.
أما النمط الثاني من التفسير فيركز على عوامل خارجية. كانت أكبر زيادات عالمية في حالات التخلف عن سداد الديون السيادية تأتي عادة بعد انقلاب اتجاه تدفقات رأس المال وتزامن هذا مع ارتفاع أسعار الفائدة الدولية. وقد شملت أسوأ النتائج (الفئة الخامسة من أعاصير الديون) ضربة ثلاثية لفئة من مستوردي رأس المال (أو منتجي السلع الأساسية).
الواقع أن ظروف السيولة العالمية اليوم لم تقترب من جسامة وسرعة التشديد في مرحلة الركود أو الدورات الفائتة. فقد عملت أسعار الفائدة الشديدة الانخفاض والمستقرة على تخفيف صعوبات خدمة الديون بين الدول المدينة وربما تساعد أيضا في تفسير غياب حالات التخلف عن السداد.
في مجمل الأمر، على الرغم من الأدلة التي تشير إلى أن إدارة الاقتصاد الكلي لتدفقات رأس المال إلى الداخل في تحسن بمرور الوقت في الأسواق الناشئة ككل، فمن الواجب علينا أن نتذكر أن وجهة النظر المقبولة على نطاق واسع قبل الأزمة المالية العالمية في الفترة من 2007 إلى 2009، كانت أن الاقتصادات المتقدمة نجحت في ترويض دورة الأعمال. وكان ذلك هو العصر القصير الأجل الذي أطلق عليه مسمى «الاعتدال العظيم».
ربما يكون التغيير بنيويا. ولكن التفسير الأكثر حيطة لغياب حالات التخلف عن السداد هو أن الخسائر التراكمية الناتجة عن الطبيعة المطولة لدورات الانكماش في الظروف الدولية لم تكتمل بعد، أو أن نقاط الضعف المتبقية لن تتجلى بوضوح إلا بعد أن تتقدم البنوك المركزية الرئيسية في اتجاه إعادة تطبيع مواقفها في التعامل مع السياسات.

أستاذة النظام المالي الدولي في كلية كينيدي للإدارة الحكومية في جامعة هارفارد.