
إرنستو تاليفا
بعد تباطؤ حاد ومستمر بدأ في منتصف العام 2013 وانتهى في الربع الأخير من العام 2015، عاد النمو الاقتصادي رسميا في أغلب بلدان أميركا اللاتينية الآن. ولكن الانخفاض المناظر في معدل الباحثين عن عمل لا يلوح قريبا على الإطلاق. بل إن –الباحثين عن عمل- في قسم كبير من المنطقة استمرت في الارتفاع خلال الأرباع السبعة الأخيرة. ولكن لماذا؟
يُعَد التعافي الذي لا تصاحبه زيادة في فرص العمل في أميركا اللاتينية سببا للقلق العميق في نظر كثيرين. فخلال الأرباع السبعة الأولى من فترة التعافي السابقة، والتي بدأت العام 2004، انخفض متوسطة الباحثين عن عمل بمقدار 0.2 من النقطة المئوية في مقابل كل نقطة مئوية من نمو الناتج المحلي الإجمالي. وفي هذه المرة، ارتفعت نسبة الباحثين عمل على مدار الأرباع السبعة الأخيرة في واقع الأمر بنحو 0.3 من النقطة المئوية في مقابل كل نقطة مئوية من النمو، مما أدى إلى ارتفاع إجمالي الباحثين عن عمل بنحو نقطة مئوية كاملة تقريبا منذ نهاية العام 2015.
يتلخص أحد التفسيرات الشائعة للانفصال الواضح بين النمو وتشغيل العمالة في أن التكنولوجيات المتقدمة، مثل التشغيل الآلي والروبوتات، أدت إلى إحلال رأس المال محل العمل في مختلف اقتصادات المنطقة. فمع تسبب الإبداعات في الإنتاج في خفض عدد العمال اللازمين لتوليد وحدة من الناتج، انقطعت علاقة الارتباط التقليدية بين الناتج وتشغيل العمالة.
ويبدو الأمر وكأنها نظرية مقنعة. ولكن في حالة أميركا اللاتينية، من المرجح أيضا أن تكون نظرية خاطئة. فنحن لسنا في احتياج إلى صعود الروبوتات لوضع مفارقة النمو والبطالة في الحسبان.
وإذا كانت فرضية التكنولوجيا صحيحة، فإننا نتوقع أن نرى زيادة في الإنفاق الرأسمالي المعزز للإنتاجية خلال الفترة الحالية نسبة إلى فترات التعافي السابقة. ولكن البيانات تُظهِر العكس. فخلال الأرباع السبعة الأولى من هذا الارتفاع، انخفض متوسط الاستثمار في المنطقة بنحو 2.2% في مقابل كل نقطة مئوية من النمو؛ وفي الماضي كان متوسط الاستثمار يزداد بنحو 2.3% تقريبا.
ولكن إذا لم تفسر التكنولوجيا التي تحل محل العمال دورة النمو التي لا تصاحبها زيادة في فرص العمل في أمريكا اللاتينية، فما الذي قد يفسرها؟ يبرز هنا اثنتان من الإجابات المحتملة.
أولا، كان التعافي الحالي أبطأ وأكثر ضحالة من المرات السابقة، وهذا يعني أن إنشاء الوظائف لا يجري بسرعة وبالأعداد الكافية لمواكبة الداخلين إلى سوق العمل. الواقع أن متوسط النمو السنوي في أمريكا اللاتينية كان 1.4% فقط خلال الأرباع السبعة الأولى من التعافي الحالي، مقارنة بنحو 5.4% في أعقاب التعافي السابق. والمشكلة في هذا التفسير هي أنه لا يعبر عن نقص الاستثمار.
الإجابة الثانية المحتملة هي ما أسميه فرضية «تخمة القدرة». ففي العقد الفائت لمنتصف العام 2013، سجلت أمريكا اللاتينية نموا سريعا للغاية ــ نحو ضعف متوسطها التاريخي. وحتى نهاية الطفرة، تنبأت التوقعات باستمرار طفرة الثروة. وفي ذلك الحين، بدا هذا وكأنه افتراض معقول. فقد تسببت شهية الصين النهمة للسلع الأساسية في تحويل التصورات حول مسار الاقتصاد العالمي بشكل كبير. ولكن كما قال مافالدا، بطل سلسلة الكارتون المتميزة للفنان الأرجنتيني كوينو، فإن المستقبل لم يعد كما كان.
في العام 2013، وفي ظل تراجع الطلب الصيني، انخفضت أسعار السلع الأساسية. ومنذ ذلك الحين، تباطأ متوسط النمو الاقتصادي في أميركا اللاتينية إلى ما يقرب من ربع المعدلات المتوقعة سابقا. أما الشركات التي توقعت استمرار الطفرة ــ فاستثمرت بالتالي في توسيع الإنتاج وزيادة قوة العمل ــ فقد أصبح لديها فائض في القدرة نسبة إلى الطلب الفعلي. ومع تحسن ظروف الطلب الكلي، استجابت الشركات باستخدام هذه القدرة الفائضة، وتقليص الإنفاق الرأسمالي، وإبطاء وتيرة تعيين الموظفين.
لتوضيح هذه الديناميكية، لنتأمل هنا كيف أدار مصدرو فول الصويا في المنطقة عملية الإنتاج في السنوات الأخيرة. خلال فترة التوسع، ازدهر المنتجون، وهو ما يرجع جزئيا إلى ارتفاع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة. وكذلك فعلت الشركات التي تقدم الخدمات التكميلية ــ الحصاد والنقل والتخزين على سبيل المثال ــ والتي اتخذت قراراتها الاستثمارية وهي تتوقع استمرار الأسعار المرتفعة.
ولكن بمجرد اتجاه أسعار فول الصويا نحو الانخفاض، وجدت الصناعة بالكامل نفسها وقد تراكم لديها قدرة فائضة كبيرة، فضلا عن أعباء الديون المرتفعة، وهو ما يعكس الاستثمارات الفائتة في العمل ورأس المال. وعندما تعافت الأسعار في نهاية المطاف وارتفع إنتاج فول الصويا مرة أخرى، بات بوسع الشركات أن تستوعب الارتفاع في الطلب عن طريق استخدام القدرة الفائضة القائمة. ولم تكن هناك حاجة إلى توظيف إضافي أو استثمار في المعدات والآلات.
إذا صحت فرضية «تخمة القدرة» على أمريكا اللاتينية ككل، فسوف تتمكن المنطقة من التنفس بسهولة، لأن أرتفاع معدل الباحثين عن عمل وتدني مستويات الاستثمار التي تصاحب التعافي الحالي سوف تمثل اتجاهات محددة. ومع ازدياد النشاط الاقتصادي في المنطقة، واتجاه التراخي في استخدام القدرة نحو التقلص، فلابد أن تعود العلاقة بين النمو والعمل والاستثمار إلى طبيعتها.
بطبيعة الحال، إذا لم تثبت صحة هذه الفرضية، فربما نضطر إلى العودة إلى إمكانية تسبب التغير البنيوي الذي تستحثه التكنولوجيا في دفع أميركا اللاتينية، إن لم يكن العالم، إلى منطقة مجهولة، بل وربما حتى «معتاد جديد» من النمو الخالي من فرص العمل. أو ربما نضطر إلى البحث عن تفسير مختلف بالكامل. ولكن من السابق للأوان أن نستبعد فرضيات أكثر بساطة ومعقولية.
كبير زملاء غير مقيم ومدير بروكينجز-سيريس للسياسة الاقتصادية والاجتماعية في مبادرة أمريكا اللاتينية التابعة لمعهد بروكينجز.