
فريد أحمد حسن
لشهر نوفمبر مكانة خاصة في نفوس العمانيين، فهو الشهر الذي يحتفلون فيه بالعيد الوطني المجيد، وبالتأكيد فإن ليوم الثامن عشر منه مكانة أكثر من خاصة عندهم فهو اليوم الذي يحتوي كل الفرح ويملك قلوبهم جميعا.
العمانيون ينتظرون هذا الشهر بشوق شديد ويعبرون عن علاقتهم به وبما يحتويه من فرح قبل حلوله بزمن، حيث يلاحظ الزائر للسلطنة في أكتوبر بأنهم يبدأون في تعليق الزينات منذ منتصف ذلك الشهر ويعيشون حالة تشعره بأنهم يحتفلون بهذه المناسبة للمرة الأولى في حياتهم. أما السر في ذلك فلا تحتاج معرفته إلى اجتهاد، فهم يعبرون عن حبهم لقائدهم وعن رجائهم بأن يحفظه الله سبحانه وتعالى لهذه البلاد التي بناها، ولأهلها الذين يفتدون جلالته بأرواحهم، ويستعجلون قدوم المناسبة.
لكن تعبير العمانيين عن حب الوطن وقائده الهمام لا يكون كما هو حال كثير من شعوب العالم اليوم بتعليق الزينات والتغريد عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتبادل التهاني فقط، فالعمانيون يعبرون عن حبهم لوطنهم وقائدهم بالتزامهم بالأخلاق وبمبادئ الدين الإسلامي الحنيف وبحرصهم على التمسك بالعادات والتقاليد والأعراف، وبتوفيرهم المثال على أنهم الشعب الذي يستحق هذا القائد الذي سخر حياته من أجلهم وعمل بجد وإخلاص على الارتقاء بهذا الوطن.
حب الوطن في قاموس العمانيين يختلف كثيرا عن حب الوطن في قواميس شعوب أخرى كثيرة، فالعمانيون يضعون وطنهم أمامهم ولا يقدمون على أي فعل إلا بعد أن يتأكدون تماما أنه إن لم ينفعه ويعلي من شأنه فعلى الأقل لا يضره ولا يسيء إليه، وهذا محك يلتزم به الجميع في هذه البلاد. العمانيون ينظرون إلى مصلحة السلطنة قبل أن ينظروا إلى مصلحتهم الشخصية، فالوطن عندهم أولاً، والوطن ثانياً وعاشراً.
لهذا تجد كل مدن وقرى السلطنة نظيفة، وكذلك سواحلها التي يتعاون الجميع على جعلها كذلك دائما عبر القيام بحملات التنظيف كلما استدعى الأمر، كما تجد العمانيين يهتمون بمظهرهم ويحرصون على نظافة مركباتهم وبيوتهم. العمانيون يعبرون بهذه السلوكيات عن حبهم لعمان وحبهم لباني نهضتها، ويعبرون كذلك عن هذا الحب بالالتزام بتوجيهات صاحب الجلالة واعتبارها نبراسا يهتدون به، وبالوقوف من كل المختلف معهم على مسافة واحدة وتطبيق مبدأ الحياد وعدم الانحياز.
وهم لا يكتفون بالقول بأنهم يحبون عمان ويحبون قائدهم، فالقول أمر سهل وهو ليس أكثر من جهد لسان، ولكنهم يقرنون ذلك القول بالعمل الذي يؤكد حبهم لعمان وللقائد ويوفر المثال على ذلك، ولأن العمانيين يعبرون عن مشاعرهم بصدق لذا فإنهم يوفرون الكثير من الأمثلة على حبهم لوطنهم ولقائدهم.
ما قد لا يعرفه الكثيرون عن هذا الشعب هو أن العماني في بيته يحفز أبناءه وبناته على التعلم وبذل أقصى ما يستطيعونه لنيل أعلى الشهادات والمراتب. يفعل ذلك حتى لو كان نصيبه من العلم قليلا، لكنه بهذا الفعل يعبر من دون أن ينطق عن حبه لعمان ولقائد عمان، فهو يدرك أن الشهادات التي سيظفر بها أبناؤه وبناته والمراتب العالية التي يتوقع أن يشغلونها يعود خيرها أولا وآخرا على الوطن، ولأن الأبناء والبنات يدركون هذه الغاية لذا فإنهم يبذلون كل ما يستطيعون للوصول إلى هذه الغاية. زيارة سريعة لبعض مدارس السلطنة وجامعاتها كفيلة بتأكيد هذه المعلومة، وتخرج المئات بل الآلاف من العمانيين في كل سنة يؤكد هذه المعلومة التي يؤكدها أيضا عدم تكبرهم على الوظيفة فالأهم هو أن يعملوا، والأهم هو أن يعطوا الوطن ويردوا له شيئا من الجميل، فهم نتاجه وحصاده.
وما قد لا يعرفه الكثيرون عن هذا الشعب أيضا هو أن العُماني يبذل في الوظيفة التي يشغلها أكثر من الجهد المطلوب منه بذله، لا ليعطي الوظيفة حقها فقط ولا ليرضي ضميره فقط و «يحلل راتبه» وإنما ليشعر أولا أنه قدم لوطنه ولقائده ما يرضى هو عنه ويرتاح منه. كل هذه صور عن حب العماني لهذا الوطن ولهذا القائد الفذ، ولهذا فإنه يبكر في التعبير عن فرحته بقدوم شهر نوفمبر الذي فيه تحتفل السلطنة هذا العام بعيدها الوطني السابع والأربعين ويجتهد في ابتداع صور جديدة يوصل من خلالها رسالة إلى كل العالم مفادها أن العمانيين يحبون وطنهم، وأنه لهذا يجدهم العالم صورة من صاحب الجلالة ؛ يتمثلون المبادئ التي يؤمن بها وغرسها فيهم ويوفرون المثال تلو المثال على التزامهم بسياسة السلطنة التي يحترمها كل العالم ويعتبرها نموذجاً يستحق الدرس والبحث.
لولا هذا الحب غير العادي الذي يكنه العمانيون لهذا الوطن وقائده وباني نهضته وسر تقدمه ورمزه وعنوان فخره، ولولا هذه القدرة على التعبير عن ذلك الحب بأجل صوره وعدم الاكتفاء بالقول وتبادل التهاني والتغريد عبر وسائل التواصل الاجتماعي بل بالعمل وبغرس حب الوطن والقائد في نفوس الأبناء الذين هم عماد المستقبل، لما ظلوا مثالاً تحتذي به الشعوب.
كاتب بحريني