سمعان كرم
منذُ سبع سنوات تقريباً تعرّف بعض التجار العمانيين على مبادرة تجمع أصحاب شركات عائلية من ألمانيا مع أصحاب شركات مماثلة في بلدٍ عربي معين، وذلك لتحقيق ثلاثة أهداف: التعرف على البلد المضيف والتجول في أرجائه، بحث إمكانية إقامة تحالفات استثمارية، وخصوصاً تبادل خبرات إدارة الشركات العائلية الكبيرة والناجحة وأحسن طرق حوكمتها وهيكلتها لتأمين استدامتها من جيل إلى جيل. فاتفقت حفنة من الشركات العائلية المحلية أن تنضم إلى المبادرة وأن تسعى من اجل جعل عمان مقصداً لإقامة لقاءاتها فيها حتى ولو تحمل العمانيون بصفتهم الشخصية عبئاً مالياً لدعم المبادرة واستضافة المشتركين. هذا ينبع من حسّهم الوطني ومسؤوليتهم الاجتماعية، خصوصاً أن الدعوة محصورة بأسماء شركات عائلية كبيرة مثل وريث سيمينس (Siemens) وأميرليشتنشتاين (Lichtenstein)، أصحابها يقدّرون السياحة وقادرون على تحمل تكاليفها مهما علت. واتسعت مساحة المبادرة هذه لتشمل بلداناً من أنحاء العالم كله. ففي كل لقاء يجتمع حوالي مائة شخص في مسقط وينزلون في الفنادق الفخمة ويقضون بضعة أيام في ربوعنا ويزورون المتاحف والمعالم في العاصمة وخارجها فيعقدون النية على العودة مراراً الى عمان لقضاء عطلة ترفيهية مع عائلاتهم وأولادهم. تعرفنا على أصحاب شركات الجيل الرابع والخامس وحتى العاشر في بعض الشركات واطلعنا على تجاربهم لتحقيق تلك الاستدامة، علماً أن الإحصائيات تدل على أن 94% من الشركات العائلية في العالم تزول بعد الجيل الثالث. هكذا أصبحت مسقط شبه مقرّ دائمٍ لهذا التجمع العالمي.
وخلال حفل عشاءٍ أقيم مؤخراً على شرف الضيوف هؤلاء في أحد منازل العمانيين سألني أحدهم على مسمع الجميع وكان قد استغرب لهجتي ولباسي عن الأسباب التي أتت بي إلى عمان وطلب الجنسية التي شرفتني عمان بمنحها لي. استفدت من هذا السؤال لأعلن لجميع الحاضرين عن قناعاتي بهذا البلد الغالي. فقلت إن زملائي وأخوتي المواطنين العمانيين قد حصلوا على جنسيتهم بالولادة والوراثة وهذه نعمة، أما أنا فقد حصلت عليها عن قناعة وهذه نعمة أيضاً. أين تجد اليوم واحة أمن وأمان في الشرق الأوسط وحتى في العالم مثل عمان في الوقت الذي ترتكب في المنطقة وغيرها أبشع الفظائع والجرائم من قطع أعناق، واغتصاب للأرض وسكانها، والسرقات والتهجير والظلم. عندما أضاعت بعض البلدان قلبها وعقلها وروحها حافظت عمان على هدوئها وحكمتها. وهذه أيضاً نعمة من الله تعالى لقد اعتمدت السلطنة على مرور الزمان ثقافة الوسطية والحوار بدلاً من الصدام، وقبول الآخر مهما اختلف عنا دونما أن يجرها الانفتاح هذا إلى التأثير على جوهر هويتها فأصبحت مثالاً يحتذى به ونالت مقاماً رفيعاً بين الأمم. وقلت بأن الذي أقنعني وشجعني أن أتقدم بطلبٍ للحصول على الهوية هي القيم التي يحملها العُماني ويثمنها ويمارسها ويدافع عنها: قيم طيبة القلب، والتواضع، والاعتدال، والفطرة، والحكمة والنضج الذي توصل إليه ان كأن يوم توسعت إمبراطورية عمان العريقة من آسيا إلى أفريقيا، أو كأن يوم رجع إلى الحدود التي تقوم داخلها السلطنة. وزدت بالقول على أني هنا في هذا النعيم، على هذه الأرض الطيبة والمميزة بجمال طبيعتها وتنوعها، قررت منذ سنين أن ابني عائلة ومن ثم شركة عائلية. والعائلة هي الأهم إذ ماذا ينفع الإنسان أن يبني انجح الشركات العائلية ولا يبني عائلة؟ الحل المثالي يكمن في بناء الاثنين معاً.
وعن توقيت الطلب الذي تقدمت به للحصول على الهوية بعد حوالي أربعين سنة ونيف من الإقامة والعمل في السلطنة، قلت إن الوقت حان لخدمة البلد الذي قدم لي ولعائلتي الكثير وذلك عن طريق الاشتراك بالأنشطة الاقتصادية، والاجتماعية والخيرية والثقافية والفنية. لقد حان وقت الوفاء لعمان.
وبحت لهم بسرّ قد كانوا يجهلونه فقلت لهم إذا أردتم أن تفرحوا قلب العُماني اقبلوا دعوته إذا ما دعاكم إلى بيته. قد يكون المكان متواضعا مثل خيمة في البادية أو منزلٍ متواضع في العاصمة لكن الحفاوة والبهجة والكرم التي ستلاقونه يعلو على التواضع بدرجات.
كتبت هذه الكلمات لا للمفاخرة أو التباهي بقيام القطاع الخاص ببعض المبادرات التي قد تبدو صغيرة بل كتبتها لتشجيع هذا القطاع إلى القيام بالمزيد منها لتكملة ما تقوم به الحكومة من مبادرات وخطط لتحقيق النمو ورفع مستوى معيشتنا جميعاً.
سمعان كرم