رسالة من رجل احترق

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٣١/أكتوبر/٢٠١٧ ٠٤:٤٦ ص

سلافومير سيراكوفسكي

قام رجل يبلغ من العمر 54 عاماً في وقت متأخر من بعد ظهر يوم 19 أكتوبر خارج قصر الثقافة والعلوم في وارسو بتوزيع عشرات من النسخ من رسالة موجهة الى الشعب البولندي وبعد ذلك أقدم على إشعال النار في نفسه.

إن نص الرسالة كان يتميز بالعواطف الجياشة فالرسالة تعدد أفعال الحكومة البولندية وتشجبها وهي أفعال طبقا للمحاكم البولندية والدولية على حد سواء تعتبر بمثابة تعدي على حكم القانون والديمقراطية الليبرالية.

إن الرسالة تتهم الحكومة التي يهمين عليها حزب القانون والعدالة بتقييد الحريات المدنية وتقويض القضاء وعلى الأخص تدين الرسالة حزب القانون والعدالة بسبب التمييز الذي يقوم به ضد المهاجرين والنساء والمثليين الجنسيين والمسلمين وغيرهم بالإضافة الى تدمير البيئة عن طريق دعم الطاقة التي يتم توليدها من الفحم والصيد بالإضافة إلى قطع الأشجار في غابة بيالوفيزا.
وبشكل أعم تدين الرسالة أيضا «الأفراد الذين يتولون أرفع المناصب في البلاد» بسبب تنازلهم عن اتخاذ القرارات الحكومية لمصلحة رئيس حزب القانون والعدالة ياروسلاف كاسزينسكي والذي لا يتولى أي منصب رسمي وتحويلهم محطات التلفزة والإذاعة العامة إلى اجهزة دعاية لمصلحة حزب القانون والعدلة كما تستهجن الرسالة كيف أن حكومة حزب القانون والعدالة جعلت من بولندا مثارا للسخرية على الصعيد العالمي.
إن أحد أهداف الرجل من إحراق نفسه طبقا للرسالة هو إجبار «رئيس حزب القانون والعدالة ومسؤولي الحكومة من الحزب نفسه على الإقرار بأنهم يتحملون بشكل مباشر مسؤولية موتي وأن أيديهم ملطخة بدمائي».
لقد كان الرجل يأمل بإن عمله الاحتجاجي هذا سيؤثر على مناصري حزب القانون والعدالة- 47%من الشعب طبقا لأحدث استطلاعات الرأي- الذين لا يريدون لسياساتهم المفضلة أن تترجم الى قوانين تقوض الديمقراطية وحكم القانون.

لكن الرسالة تناشد كذلك معارضي الحزب- 16%من البولنديين يدعمون اكبر حزب معارض- لتذكر» أن ناخبي حزب العدالة والقانون هما أمهاتنتا وأشقاءنا وجيراننا وأصدقاءنا وزملائنا» وعليه يجب أن لا تتم شيطنتهم ولكن تذكيرهم «بقواعد الديمقراطية «وتختتم الرسالة بدعوة البولنديين «للاستيقاظ» وتغيير حكومتهم قبل أن تلحق ضررا لا يمكن إصلاحه بالبلاد.

لغاية الآن كل ما نعرفه عن كاتب الرسالة هو أن اسمه الأول بيوتر وانه في حالة حرجة مع حروق تغطي نسبة 60%من جسمه ولكن على الرغم من جهل الناس به فإن أفكاره وجدت صدى لها في جميع أرجاء بولندا.

وفي رسالة منفصلة الى وسائل الإعلام حذر بيوتر من أن حزب القانون والعدالة سيحاول أن يقلل من عمله الاحتجاجي حيث توقع بيوتر أن أول نقطة هجوم عليه من قبل الحزب ستكون الإشارة الى انه يعاني من الاكتئاب وكتب بيوتر في رسالته «أنا من الأشخاص الذين يمكن أن تعتبروهم من المرضى النفسيين ولكن هناك الملايين مثلي في بولندا وهم بطريقة أو بأخرى قادرون على العيش بشكل طبيعي» إن مناشدة بيوتر واضحة فهو يحاول أن يقول: «الرجاء عدم الخلط بين الاكتئاب والجنون».
لقد كانت هناك ردود أفعال مختلفة على قيام بيوتر بإحراق نفسه ففي بداية الأمر كانت وسائل الإعلام صامتة باستثناء قلة من المعلقين من المعارضة والذين دعوا الى تحميل حزب القانون والعدالة المسؤولية وردا على هذا الانتقاد حاول وزير الداخلية ماريوسز بلاسزساك كما كان متوقعا إلقاء اللوم بالنسبة لما فعله بيوتر على إصابته بالاكتئاب حيث وصف بلاسزساك بيوتر على أنه «ضحية الدعاية الإعلامية المكثفة للمعارضة والتي تعلن أنها تحارب الحكومة في الشوارع وفي الخارج».
في الوقت نفسه قامت المخرجة البولندية المعروفة اجونيسزكا هولاند بإصدار توبيخ شديد لوسائل الأعلام الليبرالية التي تبرر احتجاج بيوتر بإصابته بمرض نفسي وكتبت في اوكو دوت بريس: «إن من الكسل الأخلاقي الشديد تبرير مثل هذه الأعمال التي تنطوي على التضحية بالنفس واليأس الشديد على أنها نتيجة للاكتئاب والمرض النفسي وما ينجم عن ذلك من رغبة في الانتحار»؟
إن هولاند لديها معرفة كاملة بهذا الموضوع حيث إنها ابنة هينريك هولاند المنشق المعادي للشيوعيه والذي انتحر سنة 1961 وفي سنة 2013 أخرجت مسلسلا لشبكة اتش بي او التلفزيونية عن قيام الطالب التشيكي يان بالأخ بإحراق نفسه في ميدان وينسيسلاس في سنة 1969.
بالنسبة لي أنا اعتقد أن على الشعب البولندي الاستجابة للرسائل التي نقلها بيوتر من خلال تلك الرسالة فحتى لو كانت أفعاله تنبع من أزمات شخصية فإنه يجب أن لا نطرحها جانبا على أنها أفعال تعكس سلوك شخص غير عقلاني فنحن لا نستطيع أن نعرف أكثر من الرجل نفسه ماهية نواياه فهو يستحق أن نأخذ على محمل الجد دوافعه وآراءه المعلنة ومناقشتها.
لكن يجب أن لا نستخدم ما فعله بيوتر ليصبح أحد مشاهد الصراع السياسي في بولندا أو استخدامه بشكل خطير كأداه حادة ضد حزب القانون والعدالة أو أي شخص آخر وكما ذكرت منظمة الصحة العالمية في إرشاداتها للصحفيين الذين يغطون حالات الانتحار» يجب أن لا تتم تغطية حالات الانتحار إعلاميا بطريقة تنطوي على التبسيط أو بدون توضيح «كما لا يجب تمجيد ضحايا الانتحار» كشهداء ومعبودي الجماهير» خوفا من قيام «الأشخاص المعرضين لمثل تلك الحالات» الاعتقاد «أن مجتمعهم يكرم السلوك الانتحاري».
بعد هذا الفعل اليائس الذي شهدته بولندا هذا الشهر فإن الأولوية الأولى يجب أن تتجه لمشاعر الحزن تجاه الضحية. أما الأولوية الثانية فيجب أن تتعلق بتوجيه اليأس الذي يشعر به العديد من الناس الى طرق تبعث على الأمل.

مؤسس حركة كرايتايكا بوليتيسزنا وهو يعمل كمدير لمعهد الدراسات المتقدمة في وارسو.