من يحكم الاحتياطي الفيدرالي؟

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٣١/أكتوبر/٢٠١٧ ٠٤:٤٥ ص
من يحكم الاحتياطي الفيدرالي؟

جيفري فرانكل

من المتوقع أن تعلن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحلول الثاني من نوفمبر اختيارها، الذي سيُعرَض على الكونجرس، لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الذي سيخلف جانيت يلين في فبراير 2018. وقد أشار البيت الأبيض إلى أنه يفاضِل بين خمسة مرشحين محتملين. ولا نستطيع أن نعتبر كل واحد منهم اختيارا جيدا.

أولى المرشحين هي جانيت يلين ذاتها. برغم أن جانيت يلين ديمقراطية عينها في الأساس الرئيس باراك أوباما، فهناك سابقة قوية ربما تجعل ترمب يعيد تعيينها. فقد أعيد تعيين رؤساء الاحتياطي الفيدرالي الثلاثة السابقين ــ بن برنانكي، وألان جرينسبان، وبول فولكر ــ لفترة ولاية ثانية بواسطة رئيس من الحزب المقابل للحزب الذي عينها في الأساس، وهو ما يعكس قيمة الاستمرارية والقدرة على التنبؤ في البنوك المركزية.

الواقع أن أداء يلين، التي عرفتها منذ عملنا معا في العام 1977، كان طيبا للغاية في منصبها على رأس بنك الاحتياطي الفيدرالي طوال أربع سنوات تقريبا. ورغم أنها لم تواجه أزمة حقيقية، فقد ساعدت في دعم تعافي الاقتصاد الأمريكي المضطرد من الركود الذي دام من 2007 إلى 2009. وقد استخدمت يلين، مثلها في ذلك كمثل بن برنانكي من قبلها، الأدوات التي يتيحها بنك الاحتياطي الفيدرالي مع مزيج من الاتصالات الواضحة ومرونة السياسات، فكانت تحول المسار وفقا للتغيرات الطفيفة التي تظهرها البيانات في الظروف الاقتصادية.
وتتحدث النتائج عن نفسها. فعندما جرى تعيين يلين في مجلس الاحتياطي الفيدرالي نائبة لرئيسه في العام 2010، كان معدل البطالة في الولايات المتحدة 9.9%. وبحلول وقت ترقيتها إلى منصب الرئيس في العام 2014، كان المعدل انخفض إلى 6.7%. واليوم انخفض المعدل إلى 4.2%فقط ــ ومع هذا، لا يزال التضخم منخفضا. يشكو بعض المراقبين من أن التضخم لا يزال دون المستوى المستهدف 2%؛ ولكن تزامن البطالة المنخفضة مع التضخم المنخفض يعتبر عادة الحالة المثلى للاقتصاد الكلي.

المرشح المحتمل الثاني لرئاسة بنك الاحتياطي الفيدرالي هو جيروم باول، الذي كان أحد أعضاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي لخمس سنوات. وربما يمثل باول حلا وسطا جيدا في نظر صناع السياسات. فهو من ناحية كان يدعم استراتيجية يلين، من سياسات أسعار الفائدة المعتدلة إلى تحركاتها الأخيرة نحو التطبيع. وهو من ناحية أخرى جمهوري قديم يتمتع بخلفية مالية.
لكن باول ربما يواجه بعض الشكوك بسبب افتقاره إلى التدريب الأكاديمي كحبير اقتصادي. إذ يميل الاقتصاديون الذين يحملون شهادات الدكتوراه، مثل أولئك الذين يهيمنون على هيئة العاملين والقيادات في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى تفضيل أمثالهم والتشكك في مدى تأهيل الآخرين لتولي وظائف عليا في إدارة السياسة النقدية. ومن المؤكد أن أي مصرفي مركزي لا يحمل شهادة الدكتوراه ربما يناضل لتثبيت قدميه في مواجهة عدد كبير من الموظفين الذين يجيدون تماما وضع النماذج والتحدث بلغة الاقتصاد الأكاديمي.
وعلى هذا فإن كثيرين ينظرون إلى شهادة الدكتوراه باعتبارها شرطا مسبقا لأي رئيس لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. ولكن في حالة باول، أستطيع أن أزعم أنها لا ينبغي أن تكون شرطا مسبقا. فبعد أن عرفته منذ العام 1990، أستطيع أن أقول إن باول لم يخجل قَط من طرح الأسئلة. وقد نجح نتيجة لهذا في تطوير القدرات التحليلية التي يحتاج إليها رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي. وعلى نفس القدر من الأهمية تقريبا أنه لن يجد أي غضاضة في التعامل مع هيئة عاملين أكثر تأهيلا. وفي اعتقادي أن باول يبرز باعتباره واحدا من أفضل تعيينات ترامب على الإطلاق.
المرشح المحتمل الثالث هو كيفين وارش، وهو أحد محافظي بنك الاحتياطي الفيدرالي السابقين، والذي يتمتع أيضا بخلفية مالية ــ مع مورجان ستانلي ــ ولكن ليس في الاقتصاد الأكاديمي. ولكن عند هذا الحد تنتهي أوجه التشابه بينه وباول.
كان وارش، مثله في ذلك كمثل العديد من الجمهوريين، شديد الانتقاد لمحاولات بنك الاحتياطي الفيدرالي تحفيز الاقتصاد الأمريكي في أعقاب الأزمة المالية العالمية، محذرا من أن التوسع غير المسبوق للقاعدة النقدية بفِعل التيسير الكمي من شأنه أن يشعل شرارة التضخم المرتفع. بدأ وارش يطلق هذه التحذيرات المتشددة ــ والخاطئة بوضوح ــ في العام 2010، عندما كان معدل الباحثين عن عمل 9.5%وكان التضخم الجامح آخر ما قد يثير قلق أغلب خبراء الاقتصاد. ولا يسع المرء إلا أن يتساءل ما إذا كان وارش يفهم كيف يعمل الاقتصاد.

لا يمكننا أن نطرح نفس التساؤل حول المرشح الرابع جون تايلور. فمثله كمثل يلين، يُعَد تايلور من خبراء الاقتصاد البارزين، وهو يحمل سجلاً مبهراً سواء في مجال البحوث الأكاديمية أو كممارس لسياسة الاقتصاد الكلي. الواقع أنه يأتي في المرتبة السادسة بين الاقتصاديين النقديين من حيث عدد من يستشهدون بآرائه، وهو مدين بشهرته بشكل خاص لما يسمى «قاعدة تايلور»، والتي تستخدم كمبدأ توجيهي لتحديد أسعار الفائدة في الاستجابة لمعدلات التضخم والنمو الملحوظة.
غير أن تايلو، شأنه في ذلك شأن تايلور، كان يعتقد لفترة طويلة أن الظروف النقدية سخية بشكل مفرط. وربما كان ذلك الانتقاد مبررا خلال طفرة الإسكان التي أدت إلى اندلاع الأزمة المالية في الفترة 2007-2009. وكان تايلور في وضع مثالي لتسليم هذه الرسالة، لأنه شغل منصب وكيل وزارة الخزانة للشؤون الداخلية حتى العام 2005، وهذا يعني أنه كان يلتقي شخصيا بانتظام مع جرينسبان، الذي كان رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي آنذاك. ولا يملك المرء إلا أن يتساءل لماذا، وهو من أشد معارضي السياسة النقدية المتساهلة، لم ينقل ذلك إلى محافظي بنك الاحتياطي الفيدرالي في وقت حيث كانت الرسالة لتحقق بعض الخير.
أما آخر اختيار محتمل من قِبَل البيت الأبيض، جاري كوهن، فهو يشغل حاليا منصب مدير مجلس ترامب للاقتصاد الوطني. غير أن كوهن، الذي ليس لديه أي خلفية على الإطلاق في الاقتصاد النقدي وآرائه غير معروفة، ربما يكون بالفعل خارج السباق.
يشكو أغلب القادة الجمهوريين منذ تولى أوباما منصبه في العام 2009 من أن السياسة النقدية كانت متساهلة للغاية. (قال ترامب نفس الشيء أثناء حملته الرئاسية، غير أنه بمجرد توليه منصبه أعلن نفسه فجأة «رجل المعدلات المنخفضة»). وكان الجمهوريون في مجلس النواب يريدون من مجلس الاحتياطي الفيدرالي أن يتبنى قواعد على غرار قاعدة تايلور آنذاك؛ والآن يريدون من ترامب أن يعين تايلور ذاته.
ولكن تاريخيا، كان الجمهوريون يدفعون بالسياسة النقدية المتساهلة عندما تكون الرئاسة لهم. وإذا صادفت الأسواق المالية والاقتصاد رياحا معاكسة كما هو متوقع في الأمد المتوسط ــ ربما في فترة التحضير للانتخابات الرئاسية التالية ــ فيكاد يكون من المؤكد أن ترامب سيلقي باللائمة على مجلس الاحتياطي الفيدرالي. ولكن الشكوى لن تكون أن السياسة النقدية متساهلة أكثر مما ينبغي، بل إنها أشد إحكاما مما ينبغي.
الواقع أن المصرفيين المركزيين الأكفاء لن يلتفتوا إلى مثل هذا الانتقاد المسيس في كل الأحوال. وسوف يتخذون قراراتهم استنادا إلى ما يعتقدون أنه الأفضل للاقتصاد، معتمدين في ذلك على البيانات المتطورة، وليس على الحتميات السياسية المتطورة. وقد أظهر المحافظون القائمون القدرة على القيام بذلك.

أستاذ تكوين رأس المال والنمو في جامعة هارفارد.