الخوف وأسعار الفائدة

مؤشر الاثنين ٠٢/أكتوبر/٢٠١٧ ٠٤:١٧ ص

يتذكر العديد ممن التحقوا بالمدرسة الابتدائية خلال الحرب الباردة ما صدر إليهم من إرشادات بشأن ما يتعين عليهم القيام به في حال وقوع هجوم نووي. فكان المطلوب من كل منهم عندما تنطلق صافرات الإنذار أن «ينحني ويحتمي». وكأن جلوسك القرفصاء تحت مكتبك وحماية رأسك بذراعيك يكفي لإنقاذك من الإبادة النووية. أتمنى حقا لو كان الأمر بهذه البساطة.

عندما نتذكر هذه النصيحة السخيفة المضحكة فإننا بهذا نتمكن أيضا من تقدير حجم الذعر الذي يشعر به الناس في اليابان الآن. على مدار الأسابيع الأخيرة، أُبلِغ سكان اليابان عِدة مرات عن طريق رسائل نصية على هواتفهم المحـــمولة (صافرات إنذار اليوم) أن ذلك الخط الباهـــت في السماء فوقهم هـــو صــــاروخ ذاتي الدفـع عــابر للقــــارات أطلقه دكتاتور مســلح نوويا يبلغ من العمر 33 عاما.
إنه تهديد من صُنع البشر للنظام العالمي ربما لا يقدره صناع الســــياسات والخبراء في البلدان المطلة على المحيط الأطلسي حق قدره بسبب شعورهم بالحماية بفضل قارة ومحيط كبير إلى الغرب منهـــم. بيد أن التهديد الذي يفرضه زعيم كوريا الشمالية كين جونج أون خَلَّف تأثيرا كبيرا على الأسواق الماليــــة العالمية في الأشهر الأخيرة.
الأمر ببساطة أن قعقعة السيوف على شبه الجزيرة الكورية زادت من خطر اندلاع صراع مباشر مع الشمال، وهو ما من شأنه أن يدمر العلاقة بين الصين والولايات المتحدة. وأي صراع من هذا القبيل ينطوي على خسائر فادحة في الأرواح ومن شأنه أن يؤدي إلى انكماش إقليمي وربما عالمي كبير في النشاط الاقتصادي.
الواقع أن نظرية «خطر الكوارث النادرة» تقدمت بشكل كبير في السنوات الأخيرة، بفضل عمل الخبير الاقتصادي روبرت بارو من جامعة هارفارد. تتلخص الفكرة الأساسية في عمل بارو في أن لا أحد يستطيع أن يستبعد وقوع حدث ينطوي على عواقب جسيمة شديدة الدمار ــ حرب أو مجاعة أو وباء أو انهيار اجتماعي. ومثل هذه الاضطرابات التي قد تهدد أسلوب الحياة المستقر من شأنها أن تتسبب في انخفاض كبير للناتج والاستهلاك ورفاهة البشر. ولأنها نادرة الحدوث فإنها بعيدة كثيرا عن المركز السلس لتوزيع الاحتمالات والذي تستمد منه السيناريوهات الأساسية.
تنبئنا تجربة الركود العظيم الأخيرة بما يمكن توقعه من الأسواق المالية عندما يسجل الناتج انخفاضا كبيرا: مع تدهور معدل التضخم، تتدهور أيضا العائدات الاسمية والحقيقية (المعدلة تبعا للتضخم) على سندات الخزانة. ويهبط منحنى العائد لأن امتلاك مطالبة طويلة الأجل على أصل آمن يُعَد تأمينا قيما. ومع هبوط العائدات على سندات الخزانة، تتسع فوارق أخرى نسبة إليها.
في السياق الحالي، تخلق التوترات الجيوسياسية الاحتمال البعيد المتمثل في حدوث كارثة ــ والتي تتحول احتمالاتها يوميا ــ كفيلة بجعل الجميع في حال أسوأ كثيرا. ونحن لا نزعم أننا نتمتع بنظر ثاقب يسمح لنا برؤية ما يدور في عقل كيم جونج أون، ولكن علمنا بأن هناك ما هو مجهول يساعد في فهم تحركات أسعار الأصول الحالية. ففي مثل هذه الظروف، يرغب المستثمرون الكارهون للمخاطرة، وخاصة أولئك الأكثر عُرضة للخطر على طول مطل آسيا على المحيط الهادئ، تأمين أنفسهم ضد حدث سلبي من خلال اغتنام فرصة التأثيرات المتوقعة في الأسواق المالية الآن. فقد أصبحت أسعار الفائدة الاسمية والحقيقية والتضخمية على سندات الخزانة أقل مما يضمنه الموقف الدوري للاقتصاد، نظرا لتصور المستثمرين للمخاطر غير الدورية وغير العادية.
في كلمة ألقاها مؤخرا جيرتيان فليغي، عضو لجنة السياسة النقدية في بنك إنجلترا، أشــــار في نفس الاتجاه. فقد أوضح أنه عندما تكون آفاق الاستهلاك في المستقبل مشوهة نسبة إلى منحنى الجرس المجرب والحقيقي، بحيث ترتفع أيضا احتمالات حدوث نتائج سيئة، يهبط سعر الفائدة الحقيقي في حال تعادل السوق نسبة إلى تاريخه.
ينطوي التصور المتزايد لخطر الكوارث النادرة على ثلاث عواقب. فأولا، لا تشير معدلات الفائدة المنخفضة بالضرورة إلى أن الاقتصادات المتقدمة غارقة في فخ النمو المنخفض نتيجة للاتجاهات الديموغرافية السلبية وتباطؤ نمو الإنتاجية. بل تنبئنا بأن المنافسة على الأصول الآمنة أصبحت محتدمة.
وثانيا، لا ينبغي لهذا أن يدفع الحكومة إلى زيادة الإنفاق. وتظل تكلفة تمويل العجز في الأمد القريب منخفضة لأن الأسر تخشى أن تكون «السنوات السبع العجاف» المحتملة عجفاء للغاية حقا. وإذا كان المواطنون يخزنون استعدادا لأسوأ الحالات، فهل يجد قادتهم ــ حتى المسؤولون المهتمون بالإدارة الدورية للطلب الكلي ــ المبرر للتخلي عن الحذر؟
وثالثا، لا تدل أسعار الفائدة الرسمية المنخفضة في الاقتصادات المتقدمة بالضرورة على قدر كبير من التساهل من قِبَل السلطات النقدية. وهذا لأن تيسير السياسة النقدية يُقاس تبعا للفارق بين المعدل الفعلي ومعدل التوازن. وقد لا تبدو أسعار الفائدة المنخفضة الحالية التي يحافظ عليها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، والبنك المركزي الأوروبي، وبنك اليابان منخفضة للغاية إذا كان معدل التوازن منخفضا بالفعل.
تساعد فكرة خطر الكوارث النادرة في تكميل تفسيرات أخرى للمستوى المنخفض الحالي للمعدلات الحقيقية على مستوى العالَم. ولعل خطر وقوع كارثة بعيدة الاحتمال هو الذي خلق «تخمة الادخار العالمية» التي حذر منها في العام 2005 رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الاسبق بن برنانكي. وإذا كان المسؤولون الحكوميون قلقين بشأن صراع في المستقبل، فربما بكون الحافز لديهم أكبر لدفع أسعار الفائدة الحقيقية إلى الانخفاض عن طريق «القمع المالي»، حتى يصبح لديهم الحيز الكافي في الميزانية للاستعداد.
بيد أن هذه تفسيرات للاتجاهات الأبعد أمدا. ويساعدنا إدراك وجود تخمة الادخار العالمية في فهم السنوات الخمس عشرة التي انقضت منذ اندلاع الأزمة المالية الآسيوية في العام 1998. ويفسر القمع المالي التجربة بعد الحرب أو في مناسبات أخرى عندما تتراكم الديون الحكومية. ويمثل خطر الكوارث النادرة في الأرجح عاملا مساهما في مثل هذه الأحداث، وربما يكون أوثق صِلة وأكثر أهمية في تفسير الديناميكيات القصيرة الأجل في الأسواق المالية عندما تتطاير الصواريخ.

كارمن راينهارت: أستاذة النظام المالي الدولي في كلية كينيدي للإدارة الحكومية في جامعة هارفارد

فينسينت راينهارت: كبير الاقتصاديين في ستانديش
ميلون لإدارة الأصول