لميس ضيف
في يومنا هذا، وأكثـــر من أي وقت مضى، صرنا نرى عائلات «فقيرة» يربو دخلها لـ1000 و1500 ريال شهريًا! وأصفها بالفقيـــرة، أو «المتفاقرة» بشكل أدق لأنهم يكملون شهرهـــم بالاستدانة، أو بتأجيل دُفوعات لا يجب أن تتأجـــل. وتجدهم يشكون على الدوام من قلـــة المال وقصـــوره عن الوفاء باحتياجاتهم اليوميـــة. وسمعتُ، غير ذي مرة، بعضًا من هؤلاء يردد عبارات مثل «ليس لديّ ريالين للبنزين» أو «لا أملك ما يكفي للراشن» ما يجعل المرء يقع في حرج، هـــل عليـــه أن يساعدهم مثلًا، وهل يستحق أمثالهم المساعدة أم هناك مَن هم أولى بها منهم! فيحتار في الكيفية التي يتعامل فيها مع تذمرهم وتبرمهم المستمر سيما بأنه متكرر شهرًا بعد شهر.
فمـــا سبب تلك الظاهـــرة في مجتمع كانت الأسر فيه، قبل أقل من 10 سنـــوات، تُفتح وتُعال براتب لا يعدو 300 ريال؟!
نعـــم هنـــاك التضخــم، والغلاء، ولكن ما نـــراه اليـــوم ليس انعكاسًـــا لهمـــا فقط بـــل للأنمـــاط الاستهلاكيـــة الغريبـــة والتقليد الأخرق ومحاكاة كـــل طبقة لطبقات تعلوها. ولنضــــرب لكم مثالًا بالتعليم:
جرت العادة قبل 30 عامًا أن تكون المدارس الخاصة قبلةً للأرستقراطيين فيما تحتضن المدارس الحكومية المعسرين ومتوسطي الدخل وأبناء الطبقة البرجوازية.
أما اليوم فتجد الأسرة تضغط على نفسها وتُرهق كاهلها بما لا يُحتمل من أجل تسجيل أبنائها في المدارس الخاصة وكثيرٌ منها متواضعة، ولا يميّزها شيء عن المدارس الحكومية إلا أن التعليم فيه بمقابل! يدّعي بعض هؤلاء أن التعليم في تلك المدارس، التي تتفرخ بسرعة عجيبة بالمناسبة، أفضل من المدارس الحكومية، والحقيقة أن كثيرًا منهم يسجل أبناءه في تلك المدارس لأن أقرباءهم وأهلهم قد فعلوا ولا يجوز أن يكون أبناؤهم متخلفين عنهم!
ينطبق الأمر ذاته على الأفراح، فمتوسط الدخل يريد أن يُحاكي أفراح الأثرياء في تفاصيلها. وينطبق على السفر، فهو يصرف ما جمعه من الجمعيات ليسافر لأوروبا أو يحمّل نفسه قرضًا ليتنزه في جنوب شرق آسيا فيضيّق على نفسه طوال العام لعيون نزهات تتلاشى بهجتها بانتهائها! كان الأولون يرددون دومًا «مدّ رجلك على قد لحافك».
وكثيرون اليـــوم يعانـــون لأنهم مصرّون على أن يشذوا عن تلك القاعدة التي عـاش عليها الناس باستقرار ودعة سنين قبل أن يُعمي التقليد الناس بهذا الشكل الساذج.
lameesdhaif@gmail.com