التـدفق الــرقمي

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٨/سبتمبر/٢٠١٧ ٠٤:٢٤ ص

شامل عظمة

تُغير رقمنة الاقتصاد العالمي كيفية إنتاج المنتجات والخدمات وتوزيعها وبيعها عبر الحدود. وتقوم تقنيات مثل الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، والنظم المستقلة، و»الأجهزة الذكية» بإنتاج صناعات جديدة، وتغيير الصناعات القديمة.

ولكن في حين أن هذه التغييرات قد تحقق فوائد هامة، فإن سرعة الرقمنة قد خلقت أيضا تحديات هائلة في مجال الحكم، داخل البلدان وفيما بينها. فالقواعد العالمية القائمة - التي تندرج ضمن الاتفاقات التجارية والاستثمارية المتعددة الأطراف الإقليمية والثنائية - تواجه تحديات بسبب العمليات الجديدة التي تَعِد بها الرقمنة.

وهذا يوجد مساحة أكبر للحكومات الوطنية للتدخل في الاقتصاد الرقمي. فقد أنشأت الصين، على سبيل المثال، صناعاتها الرقمية الخاصة بها، مستخدمة سياسات مثل تصفية الإنترنت، وتوطين البيانات (التي تتطلب من شركات الإنترنت تخزين البيانات على الخوادم المحلية)، ونقل التكنولوجيا القسري لدفع التنمية الرقمية. وقد دعم ذلك ظهور شركات رقمية صينية كبرى مثل تينسنت وبايدو، على الرغم من أنه غالبا ما يكون لذلك آثار سلبية على حرية التعبير والحصول على المعلومات.
وترى الحكومات في أماكن أخرى على نحو متزايد أن مثل هذه السياسات الرقمية وسيلة للحاق بركب الاقتصادات الرقمية المتقدمة، مثل الولايات المتحدة. ولكن في حين تمكنت بعض البلدان من الاستفادة من البيئة التنظيمية الحالية للنهوض بقدراتها الرقمية الخاصة بها، فإن العديد من البلدان النامية معرضة لخطر التخلف عن الركب.
وتتمثل إحدى العوامل في تآكل فعالية القواعد العالمية الحالية. الاتفاق العام لمنظمة التجارة العالمية بشأن التجارة في الخدمات (GATS)، على سبيل المثال، يحكم التجارة في الخدمات من خلال «طرق التوريد» المختلفة. وقد وافقت بلدان نامية كثيرة على تحرير الخدمات عبر الحدود (ما يسمى «بالنمط الأول» للتجارة)، ولم تتوقع أبدا كيف أحدث الاقتصاد الرقمي ثورة كبيرة في الفرص الاقتصادية عبر الحدود، كما يتيح المزيد من الخدمات عبر الحدود. واليوم، أصبحت هذه الالتزامات السابقة ذات مغزى اقتصادي، مما زاد الضغط على كثير من البلدان النامية.
وفي السنوات الأخيرة، اشتدت المناقشات حول كيفية تحكم الاقتصاد الرقمي. وقد دفعت الشركات الرقمية متعددة الجنسيات، التي تتخذ معظمها الولايات المتحدة مقرا لها، قواعد منسقة عالميا من شأنها أن توفر إمكانية التنبؤ وتحد من فرص الحكومات الوطنية بالتدخل في التدفقات الرقمية.
ودعما لهذه الجهود، جعلت إدارة أوباما المجال الرقمي جزءا أساسيا من السياسة التجارية الأمريكية. وأدرجت أحكام بشأن التدفق الحر للبيانات، إلى جانب حظر توطين البيانات ونقل التكنولوجيا القسري، في ما يسمى «باتفاقات التجارة في القرن الحادي والعشرين»، مثل شراكة عبر المحيط الهادئ وشراكة التجارة والاستثمار عبر المحيط الأطلسي. وكان الهدف من ذلك هو توجيه الرقابة الرقمية إلى سوقين رئيسيين - آسيا والمحيط الهادئ (في إطار الشراكة التجارية عبر المحيط الأطلسي) والاتحاد الأوروبي (في إطار شراكة التجارة والاستثمار عبر المحيط الأطلسي) - كخطوة أولى مهمة نحو القواعد العالمية في هذه المجالات.
وقد تبين أن المفاوضات المتعلقة بالقواعد الرقمية في إطار الشراكة التجارية كانت صعبة للغاية، ولكنها كانت ناجحة في نهاية المطاف؛ تغلبت إدارة أوباما على المعارضة من خلال توفير فرص أفضل للوصول إلى الأسواق للسلع المصنعة لبعض الشركاء.
وكانت مفاوضات شراكة التجارة والاستثمار عبر المحيط الأطلسي أكثر صعوبة، حيث عارضت بعض الدول الأوروبية، ولاسيما فرنسا وألمانيا، القواعد خوفا من تمكين الشركات الأمريكية من السيطرة على الاقتصاد الرقمي الأوروبي. إن «اللحاق الرقمي»، كما لاحظت وزملائي، هو هدف استراتيجي رئيسي للعديد من البلدان الأوروبية.
وقد أثار انتخاب الرئيس دونالد ترامب في الولايات المتحدة، الذي شن حملة حول برنامج قواعد التجارة الحمائية ودعم الصناعات التحويلية «التقليدية»، تساؤلات عديدة حول مستقبل وضع القواعد الرقمية. لم يكن قرار ترامب بالانسحاب من الشراكة التجارية عبر المحيط الأطلسي صائبا بالنسبة للصناعة الرقمية في الولايات المتحدة. ويبقى أن نرى كيف ستنجح قوانين التجارة الرقمية في إطار شراكة التجارة والاستثمار عبر المحيط الأطلسي، الذي اقترح ترامب أنه بإمكانه إحياءها.
على الرغم من تحركات ترامب التجارية، فاٍن الجهود لتحديث القواعد العالمية التي تحكم الاقتصاد الرقمي مستمرة - داخل منظمة التجارة العالمية، وأيضا كجزء من المحادثات بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك لإعادة التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية. وستصبح هذه المناقشات أكثر إلحاحا في السنوات المقبلة.
وحتى الآن، لم يؤثر الغموض التنظيمي تأثيرا شديدا على البلدان النامية، وكانت التكاليف الاقتصادية للجنوب العالمي ضئيلة جدا. غير أن ذلك قد يتغير إذا ما توافقت الاقتصادات الرئيسية الثلاثة في العالم - الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين - مع نهجها لتنظيم التجارة الرقمية وتدفقات البيانات العالمية. وفي مثل هذا السيناريو، سيُكثف الضغط على البلدان النامية لقبول القواعد الرقمية.
ويمكن لمناصري القواعد الجديدة أن ينصحوا البلدان النامية بقبولها بشكل واضح، بحجة أن العمل خارج نظام تنظيمي عالمي من شأنه أن يضر التنمية الرقمية المحلية ويجعل من الصعب المشاركة في الميادين التكنولوجية الجديدة. ولكن يمكن للقواعد الجديدة أيضا أن تعيد إحياء أوجه الإجحاف الناجمة عن «جولة أوروغواي» للمفاوضات التجارية، التي أنشأت منظمة التجارة العالمية وقادت اتفاقات التجارة الحرة بين الشمال والجنوب.
وفي الاتفاقات المتعددة الأطراف والثنائية، تقبل البلدان النامية قيودا على «حيزها السياسي» مقابل وصول أفضل إلى الأسواق من أجل الاقتصادات المتقدمة. ويعتقد كثير من العلماء الآن أن هذه «المساومة» تقوض قدرة البلدان النامية على سن سياسات تشجع التنويع الاقتصادي والتغيير الهيكلي، مما سيجعل لحاقهم اقتصاديا وتقنيا بالاقتصادات المتقدمة صعب المنال.
ويجب وضع إطار جديد للتجارة الرقمية والتجارة الإلكترونية مع مراعاة هذه الشواغل. ومع إنشاء قواعد لإدارة كيفية تفاعل البلدان، يجب على المنظمين العمل على ضمان ألا تؤدي سياسات التجارة الرقمية إلى تفاقم أوجه الإجحاف التي يتعرض لها نظام التجارة التقليدي.

أستاذ مساعد في التنمية الدولية والاقتصاد السياسي الدولي بجامعة باث وزميل زائر في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية