وعود ترامب الاقتصادية

مقالات رأي و تحليلات الأحد ١٧/سبتمبر/٢٠١٧ ٠٤:٢٠ ص
وعود ترامب الاقتصادية

كينيث روجوف

تباهى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن سياساته ستولّد نموًا مستدامًا تتراوح نسبته من ثلاثة إلى أربعة في المئة لسنوات كثيرة مقبلة. لكن تنبؤ ترامب يصطدم كلية بتقديرات كثير من خبراء التوقعات المتخصصين، بما في ذلك خبراء وال ستريت وبنك الاحتياطي الفدرالي، الذين يرون أن الولايات المتحدة ستكون محظوظة لو حققت نموًا نسبته اثنان في المئة.

لكن هل هناك أي فرصة لأن تصدق توقعات ترامب؟ وإذا حدث وأصابت توقعاته، فإلى أي مدى ستكون سياساته سببًا في ذلك؟ وهل سيكون للنمو الأسرع تبعات وتكاليف طويلة الأجل على البيئة وتفاوت الدخول؟ قد ينصب اهتمام سوق الأوراق المالية على معدل النمو فقط، لكن ينبغي لغالبية الأمريكيين أن يهتموا كثيرًا بكيفية تحقيق النمو.

حقيقة لا تعتبر توقعات ترامب للنمو الاقتصادي الكلي للولايات المتحدة حماسية أو مجافية للواقع تمامًا، إذ يشير تدفق ثابت من البيانات الاقتصادية إلى تسارع المعدل السنوي الآن إلى 2.5 %، أي أنه يقع في نقطة المنتصف تقريبًا في الفارق بين ترامب والخبراء. فضلًا عن ذلك، فقد قويت مكاسب التوظيف خلال الأشهر الستة الأُول من ولاية ترامب بعد إيجاد أكثر من مليون فرصة عمل، كما ارتفعت الأسهم إلى مستويات عالية جديدة، وكلا الأمرين يعزز زيادة الاستهلاك.
بالنظر إلى هذا الأداء، فإن الوصول إلى معدل نمو سنوي مقداره 3 % لن يكون معجزة في الغالب. بل قد تزيد احتمالات إنجاز هدف ترامب إذا حققت إدارته المفاجأة وأصبحت أكثر انسجامًا وترابطًا (وهو ما قد يحتاج إلى معجزة حقًا).
لكن نمو هذا العام هو بالطبع استمرار للنمو الذي تحقق خلال رئاسة باراك أوباما من أوجه كثيرة، إذ يستغرق تغيير مسار سفينة ضخمة في حالتنا هذه، الاقتصاد الأمريكي وقتًا طويلًا، وحتى لو تمكن ترامب من الحصول على موافقة الكونجرس الأمريكي على بعض بنود أجندته الاقتصادية، فلن يشعر أحد بآثار النمو قبل العام 2018 على الأرجح.
لا شك أن ترامب قد أفرغ وكالة حماية البيئة من محتواها (مما ساعد على نشاط عمليات استخراج الفحم)، وخفف الإشراف المالي (وهو ما صب في مصلحة الأسهم البنكية)، ولم يبد اهتمامًا كبيرًا بتطبيق وإنفاذ قوانين مكافحة الاحتكار (وهو تطور رحّبت به كيانات احتكارية تقنية مثل أمازون وجوجل). لكن لم تخرج إلى النور بعد مبادرات سياساته الرئيسة الخاصة بإصلاح ضرائب الشركات والإنفاق على البنية الأساسية.
علاوة على ذلك، ستكون لخطتيّ ترامب الخاصتين بزيادة تدابير الحماية والخفض الحاد لأعداد المهاجرين إلى الولايات المتحدة آثار عكسية كبيرة على النمو حال تنفيذهما (لكن من الإنصاف أن نشير هنا إلى أن المقترح الذي ينص على أن تكون تشكيلة المهاجرين متوافقة بشكل أدق مع احتياجات الاقتصاد هو ما تطبقه بالفعل معظم الدول، بما فيها كندا وأستراليا).
وربما يكون اختيار خليفة جانيت يلين، رئيسة مجلس إدارة الاحتياطي الفدرالي، أهم قرار متعلق بالاقتصاد يتخذه ترامب. فقد اتضح من التعيينات الأخرى أن ترامب يميل إلى الجنرالات ورجال الأعمال على حساب التكنوقراطيين. وبشكل عام، فإن أكثر المصرفيين نجاحًا في السنوات الأخيرة كانوا تحديدًا من أنواع الخبراء الذين يتجنبهم ترامب حسبما يبدو.
وسيصطدم من يعيّنه ترامب، أيًا كان، بتحديات كبرى فور استلامه مهمات منصبه. فمن المستبعد استمرار كبت نمو الأجور في مواجهة سوق عمل خانقة، فيما ستفرض أي زيادة كبرى في الأجور ضغوطًا قوية على الأسعار وستتسبب في رفعها (رغم أن هذا قد لا يحدث قريبًا؛ نظرًا للضغوط الشديدة باتجاه خفض الأجور، وهي ضغوط ناشئة عن استخدام النظم الآلية والعولمة).
وستكون طريقة معالجة الاحتياطي الفدرالي لتنفيذ انتقال نهائي إلى نمو أعلى في الأجور أمرًا حاسمًا ودقيقًا. فلو اختار صانعو السياسات رفع أسعار الفائدة بسرعة شديدة، سيكون الركود هو النتيجة الحتمية لذلك. أما إذا عمدوا إلى رفع أسعار الفائدة ببطء مبالغ فيه، فسيرتفع التضخم ويتأصل بصورة غير مريحة.
لذا، نعم، ربما يحقق ترامب رقم النمو الذي توقعه، لا سيما إذا نجح في إيجاد طريقة لتطبيع عملية صنع السياسات الاقتصادية (وهو أمر مشكوك فيه بدرجة كبيرة بالنسبة لرئيس يبدو أنه يميل إلى إثارة العواصف والجدال على تويتر بدلًا من التحليل المتأني للسياسات). لكن حتى لو وصلت الولايات المتحدة لهدف 3 %، فقد لا يكون الترياق الذي يأمله ترامب.
فبادئ ذي بدء، من المستبعد أن يؤدي النمو الأسرع إلى تراجع الاتجاه الحالي نحو عدم المساواة، ولن تفلح تدخلات رئاسية قليلة ومحدودة في تصرفات وأعمال ولايات أو شركات بعينها في تغيير هذا الأمر على الأرجح. بل على العكس، لا يوجد سبب لافتراض توقف أصحاب رؤوس الأموال عن أن يكونوا المنتفعين الرئيسيين من مثل هذه التدخلات. وربما تراجع هذا الاتجاه في النهاية، لكن لا يمكنني المراهنة على حدوثه حتى الآن.
إذا كان التدهور البيئي وزيادة عدم المساواة يحولان النمو الاقتصادي إلى نعمة ونقمة في آن واحد، فهل تعدّ الحكومة الأمريكية مخطئة في التركيز على النمو بهذا القدر؟ الإجابة هي: ليست مخطئة كلية. إذ تعتبر معدلات النمو الأعلى مفيدة للشركات الصغرى والناشئة، التي تسهم في المقابل في الحراك الاقتصادي بشكل كبير.
وقد تسبــب انخفاض معدلات النمو مؤخرًا في زيادة تردد وإحجام رواد الأعمال المحتملين عن التحرك عبر الولايات أو تغييـــر وظائفهم، كمـــا أدى إلـــى تقليل الحراك الاقتصادي بشكل عام. وإذا كان الاقتصاد الأمريكي في طريقه لضعف فعلــي يطول أمده، فسيعجل هذا كثيرًا باليوم الذي ينتهي فيه تفوق أمريكا العسكري الكبير على منافسيها.
وربما يرى ترامب ومن على شاكلته ممن يريدون تقليص الوجود العسكري الأمريكي عالميًا أن هذا الأمر لا يدعو إلى القلق، لكنهم مخطئون. على أية حال، قد تكون السياسات التي تثمر عن نمو أوسع نطاقًا وشمولًا وأكثر حفاظًا على البيئة أفضل من السياسات التي تُديم الاتجاهات التوزيعية الحالية وتتسبب في تفاقم مخاوف كثير من الأمريكيين. فحتى لو حقق ترامب مستويات النمو التي يستهدفها في 2018 و2019 -وقد يتمكن من ذلك- فربما تكون أسواق الأوراق المالية هي المشجع الوحيد بين الجماهير.

كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي، وأستاذ الاقتصاد والسياسة العامة في جامعة هارفارد.