عمان.. الاستثناء من الانكسار العربي

مقالات رأي و تحليلات الخميس ١٤/سبتمبر/٢٠١٧ ٠٥:٠٢ ص
عمان.. الاستثناء من الانكسار العربي

علي ناجي الرعوي

عند أي نقاش أو استقراء لطبيعة المنعطف الدرامي والمأساوي الذي تمر به المنطقة العربية منذ سنوات عدة بفعل تضارب استراتيجيات الدول الكبرى وثقل التدخلات الخارجية وحمى التجاذبات الإقليمية وتنازع مراكز النفوذ والمصالح في أكثر من ساحة عربية وما صاحب هذه التطورات من انفجارات وحروب أهلية وصراعات مسلحة وكوارث ماحقة كثيرا ما يأتي الحديث على التجربة العمانية أو (الاستثناء العماني) الذي أصبح محل اهتمام العديد من الكتاب والمفكرين والباحثين العرب الذين ما زالوا يحاولون استنباط الطريقة التي تعاملت بها عمان مع تداعيات الأحداث في المنطقة خصوصا وأن تلك الطريقة كانت مختلفة تمامًا في أساليبها والياتها عن الطرق الأخرى التي اتبعت في بعض البلدان حيث كان من الواضح أن عمان قد تعاطت مع الهزات العنيفة التي شهدتها المنطقة بأعلى درجات العقلانية السياسية وأرقى مستويات الشعور بالمسؤولية الأمر الذي جنب هذا البلد وشعبه الاصطدام المؤدي إلى الفوضى والأرض المحروقة.

لم استغرب أثناء مشاركتي في إحدى الندوات قبل اشهر بصنعاء أن تنتصب أمامنا التجربة العمانية كأولوية في مجرى البحث، ولعل ما كان لافتا في هذه الندوة الذي كان النقاش فيها يدور حول الوضع العربي المفكك والقاتم هو ذلك السؤال الذي طرح من قبل أكثر من باحث أو مهتم يشارك في هذه الندوة، والذي كان منصبا على: كيف أمكن لعمان أن تنأي بنفسها عن كل تلك الهزات وأن تحافظ على توازنها وتماسكها الداخلي وحيادها الإيجابي وسط محيط عربي مضطرب ومتفجر بالصراعات والخصومات السياسية؟ بل وكيف أمكن لعمان التي لم تكن بعيدة عن أعين الاستهداف أن تقف على رجليها وأن تمضي نحو العبور الآمن في هذا المناخ العربي الملبد بالغيوم والضبابية والذي ساهم بشكل كبير في تساقط لبنات النظام العربي واحدة تلو الأخرى؟.

لا شك أن مثل تلك التساؤلات قد أخذت مشروعيتها من حالة الاستقرار السياسي والاجتماعي التي ترتسم الآن على أرض عمان وكذا حضور صورة السلطنة في الإعلام العربي والدولي والتي تبدو كأيقونة متماسكة ينظر إليها من قبل مراكز التفكير الاستراتيجي أو مؤسسات عالمية كمثال مشرف في المنطقة العربية يقوم على ترمومتر معادلة (البناء في ظل الاستقرار) وأخال أن هذه المعادلة هي من جعلت هذا البلد حسب ظني منفتحا على إمكانيتين: الأولى أن يحافظ على توازنه واستقراره ولحمته الوطنية وسلمه الاجتماعي في ظل محيط إقليمي يموج بالتوترات والفوضى.. والثانية أن يمضي في توجهاته على صعيد البناء و التنمية الاقتصادية والاجتماعية وعملية النهوض التي يسعى من خلالها إلى تشييد دولة عصرية حديثة توفر لجميع مواطنيها سبل الحياة الكريمة والرخاء الشامل والمستدام ويمكن للمرء استشراف هذه الشواهد في البيئة الآمنة والمستقرة التي تتميز بها سلطنة عمان اليوم عن محيطها حتى بات هناك من يصفها ببلد الأمان وهو وصف ليس فيه أي مبالغة إذا ما علمنا المرتبة المتقدمة التي تحظى بها السلطنة في مؤشر السلام العالمي، والذي يضعها من أكثر الدول أمنا على مستوى الشرق الأوسط وأفريقيا.
الواقع أنه بوسع الباحث المدقق أن يكتشف العديد من الرؤى والأفكار التي انتجت (الاستثناء العماني) أو قصة العبور الآمن والتي أصبحت تشكل إحدى العلامات الفارقة في هذه المرحلة العربية المفصلية التي تهاوت فيها الكثير من الثوابت والإيديولوجيات وتغيرت معها العديد من المعطيات والوقائع والتحالفات والمسميات هذا إن لم يكتشف الباحث أن هذه التجربة غدت بمثابة البوصلة التي يمكن أن يسترشد بها كل من غابت عنهم الرؤية في البلدان العربية التي تنهشها أنياب العنف والصراعات الطائفية والمذهبية ولعبة الدم التي أصابت كل بيت من بيوتها وبما يسمح لهؤلاء الخروج من رحم المصائب وقسوة الظروف التي تحيق بأوطانهم وهنا تتجلى عظمة الشعوب ومدى حضارتها.. فالأوطان ليست بمساحتها أو أعداد سكانها أو بما تملكه من الثروات والأموال وإنما الأوطان بوعي شعوبها وما تتمتع به من العلم والمعرفة وكذا من رشد سياسي وثقافي وعند هذه النقطة تحديدا يمكن لنا أن نصل إلى الجواب باختصار على السؤال المطروح عن (الاستثناء العماني) والذي يتجلى بعبقريته في ثنائية (القائد – والشعب) التي التزمت بخارطة طريق واضحة المعالم جنبت عمان الاكتواء بلهيب اختلطت فيه كل الفصول لتنهار دول وتتصدع أخرى على مستوى نسيجها الاجتماعي الواحد.
حينما طلب مني الحديث عن عمان في ندوة صنعاء التي كانت تناقش حالة (الانحدار العربي) قلت: إن ثمة أمرين مهمين في عمان لا يجوز إغفالهما الأول: أن السلطان قابوس يتمتع بشرعية متوارثة وسند شعبي لا جدال فيه وخبرة وحنكة سياسية نادرة قلما تتوفر في غيره والثاني: أن السلطان قابوس أسس منذ اليوم الأول لتوليه الحكم العام 1970 منهجية حكم تستوعب مقاصد التنمية والتطور وفي ذات الوقت متطلبات الحرية والديمقراطية والتي تروم تفعيل ما اتسم به الشعب العماني في تاريخه من قيم التعايش والاندماج الاجتماعي وبصوغ السلطان قابوس لهذا الانموذج فقد رسخ لدى الشعب العماني ثقافة الاعتدال والتسامح و مفاهيم الإسلام الصحيحة والمجردة من نوازع التعصب والغلو والتشدد التي تقود نحو الانحراف والإرهاب وبما وفر الأرضية السليمة التي تتعايش فيها كل المكونات العمانية على قاعدة ذلك المنهج المعبر عن حقيقة الإسلام وجوهر شريعته الخالدة التي تذوب فيها العصبيات المذهبية وكل عوامل الخلاف والاختلاف تحت أي مسمى لينصهر العمانيون جميعا في بوتقة المواطنة التي تتحقق في ظلها مبادئ المساواة بالحقوق والواجبات على جانب مقتضيات الشراكة الوطنية بمضمونها العام والواسع.
هذه هي عمان التي تاهت ذات يوم وغفت حينا من الزمن قبل يوليو العام 1970 من تظهر اليوم وبعد أقل من نصف قرن هي الاستثناء العربي الوحيد الذي يتمتع بالأمن والاستقرار والتنمية والنهوض والشفافية والإصلاح بعد أن وقفت على قدميها واستقرت أحوالها وامتلكت مصيرها وقرارها، وذلك بفضل قائد حكيم سار بها نحو السلام والتنمية وجنبها الأزمات والصراعات والانقسامات الداخلية التي ما حلت في بلد إلا ودمرته وحولته إلى ركام من الخراب.

كاتب يمني