
لميس ضيف
تفاجأت بأن زوجي قد خزّن رقمي في هاتفه المحمول باسم «البيت»..
سألته بدهشة واستنكار عن السبب فقال مبررًا «سبحان الله فقد يلحظ أحد الشباب المحمول عندما تهاتفيني»!!
كان العُذر -بالنسبة لي- أسوأ من الذنب نفسه.. واستحضرت في ثوانٍ تلك الحلقة الظريفة من المسلسل السعودي الأشهر «طاش ما طاش» والتي يظهر فيها القصبي في المستشفى مع والدته فيمر به أحد الأصدقاء ويطلق معه حديثًا عابرًا في الوقت الــذي خرجت فيه الممرضة مؤذنةً باسم أمه معلنةً بأن دورها مع الطبيب قد أزِف. تجاهل بطل الحلقة نداء الممرضة حتى اضطر تحت إلحاحها أن يستجيب ويسحب أمه للداخل.
ومن يومها صار هذا الصديق يسأله كلما رآه: «شخبار صحة أمك فاطمة؟» فيرتبك ويتلعثم في الكلام. وعرف الجميع اسم أمه فأصبح يتحاشى الخروج من المنزل وقصد الأماكن العامة حتى قرر في نهاية المطاف أن يهاجر ويترك البلد! وعندما عاد بعد سنوات طويلة ينشد بيت جده صادفه أحدهم، وكان الزمن قد رسم خطوطه على خريطة وجهه فغيّرها، فقال له: «أهذا أنت.. أنت ولد فاطمة» وهكذا انتهت الحلقة بعلامات الصدمة والأسى على وجه البطل!!
بعد تلك الحلقة، والتي عُرضت في العام 2012، أجرت مجلة لها تحقيقًا بين الرجال متسائلة عمّا إذا كانوا يجدون حرجًا في ذكر أسماء أمهاتهم. وانتهى الاستطلاع بأن الرجال، وإن كانوا على قدر عالٍ من التعليم والثقافة، إلا أنهم يرفضون الإفصاح عن أسماء أمهاتهم رضوخًا لقاعدة اجتماعية تجد أنه من «العيب» ذكر أسماء «المحارم» للغرباء. وللعلم فإن الفنان ناصر القصبي، الذي مثّل هذه الحلقة مستنكرًا الظاهرة، رفض في مقابلته مع داود الشريان ذِكر اسم أمه رغم إصرار المقدم عليه. وإنْ كان هذا هو حال الرجال مع أمهاتهم، التي وُضعت الجنة بأكملها تحت أقدامهن، فما حالهم مع زوجاتهم يا تُرى!
يقول المحلل أبوعبدالعزيز العمر في تفنيده للظاهرة إن ثقافة إخفاء اسم الأم والأخت والزوجة عادة وافدة على مجتمعاتنا وعمرها أقل من 30 عامًا. فقديمًا كان العرب يتفاخرون بأنهم أبناء فلانة وأخوات فلانة. وقبل 80 سنة كان الملك عبدالعزيز آل سعود يُعرف بأنه أخو نورة، وأمير الكويت بأنه أخو مريم. وآل خليفة بأنهم أخوان نجلا. فقد كان الإنسان الخليجي يفتخر باسم أخته ووالدته.
ولا نجد هذه السياسات الانتقاصية من المرأة إلا وليدة التفسير المعوج للدين، وفهم مشوش لدور قطبي الحياة: المرأة والرجل. وهي سياسات مريضة زادت سطوة مع تغول جهل المجتمع وتستر بالدين كغيرها علمًا بأن رسولنا المعظم، صلوات الله عليه وعلى آله، كان يذكر اسم ابنته فاطمة، ويعدد مآثرها ويضرب بها المثل ويعبِّر عن حبه لها ولزوجاته أمهات المؤمنين أيضًا.
عمومًا أطمئن مَن «قد» يتساءلون، أني غيّرت اسمي في هاتف زوجي لاسم أرضاه ولم يمانع هو للأمانة.. فنساء اليوم يعرفن مكانهن في الحياة ولا يقبلن بقيم عارضة قد يمارسها الرجال دون تمحيص.
lameesdhaif@gmail.com