سلطة العفو

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ١٢/سبتمبر/٢٠١٧ ٠٤:٤٤ ص
سلطة العفو

روتي تايتل

لم يكن جو أربايو، عمدة مقاطعة ماريكوبا في ولاية أريزونا سابقا، والذي أدين بتهمة إهانة المحكمة عندما تحدى أمر القاضي الفيدرالي بوقف التنميط العنصري والاحتجاز التعسفي لذوي الأصول اللاتينية باسم إلقاء القبض على المهاجرين غير الشرعيين، شخصية غريبة على الجدال. ولكن العفو عن أربايو مؤخرًا بقرار رئاسي صادر عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو الذي يعمل حاليًا على تحفيز مناقشة محتدمة، بفِعل ما يثيره من تساؤلات جوهرية حول سلطة العفو الرئاسي التي كانت جزءا من عملية صنع السياسة الأمريكية في زمن ولادة أمريكا.

في الأنظمة الملكية، ربما يتمتع الملك بسلطة العفو دون أي حدود تقريبا. وفي دستور الولايات المتحدة ــ المادة الثانية، القسم الثاني ــ أعطى مؤسسو أمريكا سلطة مماثلة للرئيس، ولكن في ظل قيدين رئيسيين. تمتد جذور أحدهما إلى الفصل بين السلطات: فلا يجوز له استخدام هذه السلطة في حالات العزل وسحب الثقة، وهي القضية التي ينظر فيها الكونجرس. وتتأصل جذور القيد الثاني في النظام الفيدرالي: فلا يمكن استخدام هذه السلطة إلا في حالة الجرائم «ضد الولايات المتحدة»، أو الجرائم الفيدرالية، وليس الجرائم التي تنظرها المحاكم في أي من الولايات الأمريكية الخمسين.

وقد عكس منح سلطة العفو المخاوف بين واضعي دستور الولايات المتحدة إزاء احتمال تطبيق القانون الجنائي بطريقة وحشية، فينتج عن ذلك إفراط في العقوبة. وعلى حد تعبير ألكسندر هاملتون في الورقة الفيدرالية رقم 74، «يشارك القانون الجنائي لكل دولة بقدر كبير من توفير الشدة الضرورية، حتى أنه في غياب سهولة الوصول إلى الاستثناءات لصالح جُرم ارتُكِب نتيجة حظ بائس، تطل علينا العدالة بوجه دموي شديد القسوة».
ويضيف هاملتون قائلا: «إن سلطة العفو لابد أن تمارس من قِبَل شخص واحد، لأن شخصًا منفردًا «يكون أكثر استعدادا لرعاية قوة تلك الدوافع التي ربما تدعو إلى تخفيف صرامة القانون». وما لم يتناوله المؤسسون هو ما قد يحدث عندما يكون دافع ذلك الشخص المنفرد أكثر من مجرد العدالة.
خلال 24 عاما أمضاها اربايو في منصب العمدة لهذه الولاية الإدارية التي تضم مدينة فينيكس السريعة النمو، بنى سمعته على الجهود العدوانية التي تبذلها إدارته لتعقب المهاجرين غير الشرعيين ــ وعلى الظروف الوحشية التي أسس لها في المرافق حيث احتجزهم. كان أربايو مسؤولا بشكل مباشر عن احتجاز آلاف الأشخاص دون أي قدر معقول من الشك في انتهاكهم لقانون الهجرة. وكان يكفيه أن تحمل وجوههم ملامح اللاتينيين. وكان ذلك السلوك سببا في إقامة عدد من الدعاوى القضائية ضد أربايو بلغت تكاليف تسويتها في الفترة من 1993 إلى 2015 نحو 142 مليون دولار.
الواقع أن ترامب وأربايو حليفان قديمان. فخلال رئاسة باراك أوباما، كان كلاهما من الشخصيات البارزة في حركة «بيرثر» العنصرية التي أصرت على أن أوباما وُلِد خارج الولايات المتحدة، ولم يكن من حقه بالتالي أن يتولى منصب الرئيس.
وخلال حملة ترامب الرئاسية، كان أربايو الممثل الأفضل لمناقشة الهجرة المثيرة للانقسامات والمؤيد الصريح للوعود المتطرفة التي بذلها المرشح، بما في ذلك بناء جدار على الحدود مع المكسيك.
على هذه الخلفية، يبدو عفو ترامب عن أربايو مجرد انتهازية سياسية محضة. ومن المؤكد أنه لم يكن عملا أخلاقيا دافعه الرحمة. فمن الواضح أن سلوك أربايو غير مؤهل على الإطلاق لوصف «الجرم الذي ارتكب نتيجة لسوء حظ». بل كان يستمتع بمخالفة القانون، ولم يُظهِر أي ندم على ذلك، ولم تبدر عنه أي بادرة فهم لنِعمة الرحمة.
ولأن الحكم في حقه لم يكن ليصدر قبل أكتوبر، فلا يستطيع المرء أن يزعم أنه واجه عقوبة وحشية (التخوف الرئيسي في أذهان مؤسسي أمريكا).
لقد تصور واضعو دستور الولايات المتحدة غرضا رئيسيا آخر لسلطة العفو: المساعدة في إنهاء النزاعات والتصالح مع الأعداء السياسيين. وعلى حد تعبير هاملتون: «عادة، تأتي لحظات حرجة عندما يكون عرض العفو في الوقت المناسب على المتمردين كفيلا باستعادة الهدوء في الكومنولث».
في العام 1863، أصدر أبراهام لينكولن عفوا كاملا عن الكونفدراليين ــ باستثناء قادتهم وفي ظل ظروف «ربما يعتبرها مناسبة للصالح العام» ــ للمساعدة في لم شمل البلاد بعد الحرب الأهلية. وحتى العفو الذي أصدره جيرالد فورد في العام 1974 عن ريتشارد نيكسون، الذي استقال من الرئاسة على خلفية فضيحة واترجيت، صيغ انطلاقا من الرغبة في مداواة جراح الوطن.
الواقع أن تذكرنا للسبل التي استُخدِمَت بها سلطة العفو في الماضي يسلط الضوء على مدى انحراف وشذوذ مسألة أربايو والغرض الرجعي الوحيد من ورائها: تشويه إنجازات أوباما، والقيم التي أعلاها، وإبطالها كلما أمكن. الواقع أن ترامب ينفرد بسلطة دستورية كان المقصود منها تخفيف «الشدة الضرورية» للعدالة الجنائية، ولكنها تستخدم الآن لإقرار القسوة من قِبَل مسؤول أقسم على إنفاذ القانون.
ليس من المستغرب، نظرا لأساسه الإيديولوجي البحت، أن لا تراجع وزارة العدل الأميركية قرار العفو عن أربايو مسبقا، كما جرت العادة على مر السنين. والواقع أن وزارة العدل سارعت إلى التبرؤ من القرار، مما يسلط الضوء على مدى سهولة استخدام ترامب لسلطة العفو (أو عدم استخدامه لها) لتصفية حساباته العديدة: فهي تقريبا السلطة الوحيدة ضمن نظام العدالة الجنائية التي يستطيع الرئيس ممارستها بقرار أحادي.
من المؤكد أن عفو ترامب عن أربايو لم يوجد أساسا قانونيا للإفلات من العقاب؛ ذلك أن القيود التي يفرضها الدستور على سلطة العفو تمنع ذلك. بيد أن مشكلة خطيرة ستنشأ حتما إذا حاول ترامب استخدامها لحماية أفراد أسرته ــ وهو سيناريو ليس بعيد الاحتمال، نظرًا لتحقيقات مكتب التحقيقات الفيدرالي الجارية التي تتناول تعاملات دائرة ترامب الداخلية مع روسيا. وسوف يواجه مثل هذا التحرك تحديا قانونيا محتملا، استنادا إلى فقرة إجراءات العزل أو غير ذلك من القيود الدستورية.
الواقع أن سلطة العفو أشبه بسلاح ناري محمل بالذخيرة. وإذا كانت في يد زعيم يتسم بالحكمة وحسن الشخصية، فسوف تعمل على تعزيز حكم القانون، أما إذا وقعت بين يدي شخص نرجسي مهتز الشخصية يستعذب الانتقام، فقد تتسبب في إحداث أضرار عميقة.

أستاذة في القانون الدولي والانتقالي

في كلية نيويورك للقانون