د. فيصل القاسم
كل الذي نسمعه ونقرأه عن الحل السياسي في سوريا مضيعة للوقت وضحك على الذقون، فلا تصدقوا أبداً أن الأمم المتحدة أو القوى الكبرى يهمها التوصل إلى حلول ترضي الشعوب أو تحقق العدل في البلدان المأزومة. والأنكى من ذلك أن الوسيط الروسي الذي يعمل على الحل السياسي هو أكبر الداعمين للنظام، وهو إلى حد كبير يشبه الوسيط الأمريكي في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فإذا كنتم تتوقعون خيراً من أمريكا لنصرة الحقوق الفلسطينية، عندئذ توقعوا خيراً من الروس لنصرة السوريين المعارضين للنظام. كيف تتوقعون من روسيا التي تتفاخر بأنها أطلقت أكثر من مئتي ألف قذيفة على السوريين بأن تكون وسيطاً نزيهاً بين النظام والمعارضة؟ مستحيل. حتى لو أرادت الدول الكبرى الاستقرار في سوريا على الأقل لمصلحة إسرائيل، فلن يحصل السوريون إذا قبلوا بالحل السياسي على أكثر من اتفاق طائف سوري على غرار اتفاق الطائف اللبناني الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية. هذا في أحسن الأحوال، أما في الأحوال العادية فلن يحصلوا على شيء، لأن الذي يحدد مسار الوضع على الأرض هي القوة.
من الذي يمتلك القوة على الأرض؟ بالطبع النظام وحلفاؤه، وبالتالي فهم سيفرضون الحل السياسي المزعوم على كل السوريين إذا سكت السوريون ورضخوا. والأخطر من ذلك أن اتفاق الطائف السوري الذي سيوزع السلطات بين مكونات الشعب السوري، إن حصل، سيكون أسوأ من الطائف اللبناني بكثير، فعندما انتهت الحرب الأهلية اللبنانية بعد ستة عشر عاماً من القتال والدمار، كانت الطوائف والفصائل اللبنانية في وضع متشابه، كلها كانت مستنزفة ولا داعم دولياً قوياً لأي منها، وبالتالي كان ممكناً حل المسألة اللبنانية بتوزيع السلطات الطوائف اللبنانية ، بينما في سوريا فإن النظام هو الأقوى الآن ليس بفعل قوته الذاتية، بل بفعل الدعم الخارجي الكبير. وكلنا سمعنا التصريحات الخارجية التي قالت: لولانا لسقط النظام خلال أسبوع. لكن مع ذلك، فإن الاحتضان الروسي للنظام يجعله الآن الطرف الأقوى في أي مفاوضات لتقاسم السلطة مع أطياف المعارضة التي لا داعم حقيقياً لها، وقد أصبحت الآن كالأيتام على موائد اللئام. وبالتالي، فإن وضع النظام الآن في سوريا أشبه بوضع القوة المهيمنة في لبنان بعد مضي حوالي ثلاثة عقود على اتفاق الطائف، أي بعد أن أصبح الأقوى عسكرياً هو الآمر الناهي في كل القضايا السياسية والعسكرية والأمنية في لبنان على اعتبار أنه الفصيل الأقوى في البلاد. أما النظام السوري بفضل الدعم الخارجي فهو الآن أقوى من بقية الفصائل، فما بالك إذا فرض الروس على السوريين اتفاق طائف سورياً. بعبارة أخرى فإن الوضع في سوريا سيعود إلى حتى ما قبل المربع الأول، وستكون قوى المعارضة وبقية الشعب السوري الذي ضحى بالغالي والنفيس الخاسر الأكبر من أي اتفاق يبقى فيه النظام محتفظاً بالقوة العسكرية والأمنية في البلاد.
كما هو معلوم، لا قيمة لأي تقاسم للسلطة في البلاد العربية إذا بقي الجيش والمخابرات في أيدي طرف معين. انظروا أين أصبح لبنان بعد اتفاق الطائف الذي قسم السلطات بين اللبنانيين. هل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والرئاسية مستقلة وقادرة على تنفيذ مهامها باستقلالية وحرية، أم إنها باتت مطية للقوة المهيمنة عسكرياً على لبنان؟ ما قيمة أي اتفاق يقسّم السلطات بين مكونات أي شعب بعد حرب أهلية إذا ظل هناك طرف يمسك بمقاليد القوة العسكرية والأمنية ويبتز الآخرين بها؟
بالمناسبة النظام السوري إذا ظل وضعه على ما هو عليه الآن بعد أي مفاوضات لتقاسم السلطة بين السوريين سيكون في وضع مشابه لوضع الآمر الناهي في لبنان الآن، وستكون بقية السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية ألاعيب في يديه، حتى لو تم توزيعها بموجب أي اتفاق على بقية مكونات وقوى الشعب السوري. ما قيمة الحكومة السورية ومجلس الشعب والسلطة القضائية في سوريا أمام قوة الجيش والمخابرات؟ لا قيمة لها أبداً، فهي مجرد أدوات بأيدي القوة الأمنية والعسكرية. لهذا فإن أي اتفاق سوري لا ينص على تحويل الجيش والمخابرات إلى مؤسسات وطنية لكل السوريين، فهذا سيعيدنا إلى ما هو أسوأ من المربع الأول، لأن تلك المؤسسات فيما لو بقيت بأيدي أصحابها الحاليين ستكون أشرس وأسوأ بكثير بعد الاتفاق، لأنها باتت تحظى بمشروعية ومباركة داخلية ودولية، وبالتالي ستتصرف بضراوة وعنجهية أكبر مع الجميع. طبعاً لا أحد ضد أن يكون لسوريا جيش عظيم وأجهزة أمن أعظم، لكن بشرط أن لا تكون محصورة في أيدي جماعة تستخدمها لتركيع السوريين وابتزازهم وحماية مصالح الفاسدين والمجرمين في البلاد. مرحباً بأجهزة أمنية وجيش سوري عظيم لكل السوريين يحمي مصالح الشعب والوطن لا مصالح السلطة.
إعلامي في قناة الجزيرة