وداعًا يا «بو عدنان».. وداعًا يا صديق الطفولة..

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٢٢/أغسطس/٢٠١٧ ٠٤:٠٠ ص
وداعًا يا «بو عدنان».. 

وداعًا يا صديق الطفولة..

لميس ضيف

كنت مبتهجة وأنا أحزم حقائبي للسفر لمناقشة أطروحة الدكتوراه عندما تلقيت نبأ وفاة عبدالحسين عبدالرضا. للحظات عدت طفلة في التاسعة. أنتظر أن يُعيد التلفاز بث أوبريت «بساط الريح» الذي لن تمله ولو شاهدته مرة بعد مرة. كانت مسرحيات كـ»باي باي لندن» جزءًا من تكويننا الثقافي. شكلت فهمنا لأنفسنا وللآخرين. لم نكن قد شببنا على الطوق بعد، لكننا عرفنا أننا نعاني من عقدة الأجنبي. وأننا مستعمرون بالانبهار به. وعرفنا أن الغرب يستغلنا، يرانا مناجم مال ونفط وأعرابًا يسهل امتطاؤهم. تعرفنا على سُخف الخلافات العربية من مشاهد «باي باي عرب»، وكانت رسائل مسرحية «بيت العز» أبلغ من أن تُحصى في أسطر.

عندما سنحت لي الأقدار -أخيرًا- حضور مسرحية له في إبان دراستي في الكويت، ورغم علمي بأني سأكون حبيسة مقعدي لساعات وسيغشاني ظلام الصالة إلا أني تهيأت وكأني سأشارك في حفل ما لفرط حماستي. أقر بأن مسرحية «مراهق في الخمسين» لم ترقَ لما توقعته، وأن الفنان الراحل لم يعد يقدم في سنواته الأخيرة أعمالًا تشبهه وترقى لاسمه. لكنها سُنة الحياة أليس كذلك؟
يتخبط المرء في بداية حياته حتى يبلغ الذروة ومهما طالت سنوات جلوسه على القمة فإن مآله أن يبدأ رحلة الهبوط، وهو ما نراه في أغلب الفنانين وإن لم يروا هم ذلك، لكن الناس لم يقيموا وزنًا لرحلة العودة على البدء، وما إن اشتد مرضه -وحتى قبل أن تُعلن وفاته- تذكَّر الناس وجه حسينوه في «درب الزلق» وبدأت قلوبهم ترنو لأخباره، ووقع خبر موته على الجميع كالصاعقة، فبموته مات بعضٌ منَّا، فهو جزء من تاريخنا وبطل من أبطال طفولة جيل السبعينيات والثمانينيات.
وتمامًا كما كان فنه مرآة لعصره ومشاكل مجتمعه، كشف موته أيضًا طول سياط التكفيرين وجرأتهم على الله، فقد حاسبوه قبل أن يدخل قبره، وساقوه للنار وأوصدوا في وجه أبواب الجنة وكأنهم يملكون مفاتيحها!
ولأن شعب الكويت سابق لعصره، وعاطفي بفطرته التي جُبل عليها، كان موت عبدالحسين عبدالرضا فرصة لهم لينتفضوا على الخلافات المارقة التي دبت بينهم، فاجتمع أهل الكويت لاستقباله وتأبينه وبكوا فراقه بصوت واحد، فجمعهم مصاب موته تمامًا كما جمعهم في حياته بفنه وعفويته وضحكته التي لا تُنسى.
فوداعًا يا صديق طفولتنا.. وداعًا يا من أضحكتنا وعلمتنا وأبكيتنا..
أسعدك الله أينما كنت.. كما أسعدت الملايين بفنك وروحك..